إبراهيم غرايبة 28/5/1424
ستكون منظومة التعليم أكثر المجالات عرضة لإعادة الصياغة والترتيب في مرحلة المعلوماتية، وبدأت بالفعل مؤسسات التعليم ومضامينه ومجالاته ووسائله تأخذ صيغًا جديدة مختلفة إلى حد كبير عن الأنظمة التي ألفها الناس.
إن التغيير الكبير الذي يجري في الموارد والتقنية والمعارف يجعل ما يتعلمه الإنسان ويتدرب عليه عديم النفع -أو قليلة النفع- بعد فترة وجيزة، فالمهندس أو الطبيب أو المدير، وغيرهم يواجهون تحديات كبيرة في عملهم تجعلهم بدون التعليم المستمر والمتابعة الدؤوبة لتخصصاتهم ومجالاتهم يخرجون من دائرة عملهم وتخصصهم.
فالتعليم المستمر"مدى الحياة"أصبح مطلبًا ضروريًا يجب أن تلتفت إليه الدول والمؤسسات، ولم يعد التعليم الإلزامي في المدارس كافيًا لتأهيل المجتمعات وتنميتها.
ويعد التدريب اليوم من أكثر القطاعات نموًا وانتشارًا، ولكن الدورات التدريبية وما تقوم به المؤسسات المختلفة في هذا المجال لم يعد كافيًا لتلبية الاحتياجات الكثيرة الناشئة للعمل والحياة، فالتعليم المستمر والتدريب أصبح على درجة من الإلحاح والأهمية تستدعي أن تقوم به مدارس وجامعات ووزارات ومؤسسات منتشرة في المدن والقرى، لأنه لم يعد يستهدف قطاعًا نخبويًا من الناس، وإنما يحتاجه الناس جميعهم بمختلف أعمارهم وأعمالهم ومستواهم التعليمي والإداري.
الإنترنت بتحولها إلى جزء من بيوت الناس وحياتهم وعلاقتها بكل الأنشطة والمؤسسات تعيد ترتيب كثير من أنظمة الإدارة والعمل، ومنها التعليم..
باتجاه الحكومات والدول لتخفيف الإنفاق، وبسبب التحديات التعليمية الناشئة التي تستدعي إنفاقًا وإعدادًا، فسيكون بمقدور المجتمعات والدول باستخدام الانترنت أن تفعّل"التعليم المنزلي"وتجعله رسميًا ومعتمدًا، وتخفيف الحاجة للمباني التعليمية، وتقليل عدد المتعلمين، وتغيير أنظمة الامتحانات، وأن يشمل التعليم جميع مراحل العمر، تستقبل المدارس والمؤسسات التعليمية كل الناس وليس فقط الأطفال والتلاميذ.
وأهمية التعليم للمجتمعات والدول في تحقيق تنمية اقتصادية وعلمية وثقافية..، ويتوقع منه في ضوء المتغيرات المتسارعة أن يعيد تشكيل وبناء قوة عمل مؤهلة، وتتكيف مع التقنيات الجديدة المنتشرة، وتشارك فيها أيضًا. وإذا كانت مخرجات التعليم مختلفة عن الوجهة الجديدة للعمل والموارد والاقتصاد؛ فإن التعليم يكون عبئًا زائدًا على الأعباء الكثيرة المتراكمة على الأفراد والمجتمعات.
وقد يحدث دون انتباه أن تنحرف مؤسسات التعليم برغم الإنفاق الهائل عليها والتفرغ التام لها من قبل أكثر من ثلث المجتمعات عن أهدافها البسيطة التي أنشئت من أجلها، وهي أن نتعلم كيف نعرف؟، وكيف نعمل؟، وكيف نكون؟، وكيف نعيش معًا؟.
كانت المجتمعات تعلم أبناءها بتلقائية ودون تكاليف تذكر كيف يكونون صالحين ومفيدين لأنفسهم ومجتمعاتهم، فالبيئة المحيطة بالطفل كانت تمده بالثقافة والهوية والعادات والتقاليد ووسائل العمل والرزق، فيتعلم حرفة أو مهنة، ويتعلم كيف يبني بيته بنفسه، ويحقق جميع أو معظم احتياجاته بنفسه أو ضمن منظومة المجتمع المحيط به، ورغم أن المؤسسات التعليمية قد أنشئت لتطوير هذه المهارات وتفعيلها؛ فإنها في المحصلة قضت على معظمها، وربما جميعها؛ فالشاب يتخرج من المدرسة أو الجامعة وهو"كَلُّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير"وحتى في التطبيقات التي تبدو مقبولة للناس، مثل كثير من الوظائف والأعمال التي في الحكومات والمؤسسات، أو فلسفة الحصول على المال لتوفير الاحتياجات الأساسية بدلًا من تحقيقها بالجهد الذاتي وتعلم صناعتها تلقائيًا لجميع الناس، مثل البناء، والتغذية، وبعض اللباس، والمهارات الأساسية في البيت كالصيانة، والديكور..؛ فإنها (تطبيقات العمل والتعليم الحالية) تمثل استنزافًا وتدميرًا وبطالة وابتعادًا عن الإنتاج الحقيقي.
"المجتمع الذي يتعلم"فكرة تبنتها اليونسكو عام 1976، لكنها لم تعد اليوم ترفًا أو تطوعًا وإنما أكثر ضرورة من التعليم الابتدائي، فالتعليم ليس نظامًا فرعيًا في المجتمع، ولم تعد يمكن تقسيم الحياة إلى فترة تعليم وفترة عيش وعمل. ولم يعد التعليم مقصورًا على المدارس والجامعات، وإنما يمكن أن تقوم به جميع المؤسسات الخدماتية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية. وتتيح شبكات الاتصال والإعلام إمكانية التعليم والتأهيل بسهولة وتكلفة قليلة (نسبيًا) .
وربما تكون المشكلة الأساسية في التعليم المستقبلي هي القدرة على تحديد الاحتياجات والمهارات الناشئة التي يجب أن تتزود بها المجتمعات. إذ يبدو أن معظم الأفراد والمؤسسات غير مدركين لهذه الاحتياجات ولا يلاحظون الإمكانات والفرص التي تتيحها المعلوماتية والشبكية المهيمنة بتسارع وهدوء على كل مناحي الحياة والاقتصاد.