جمال سلطان 11/11/1425
تتجمع في الأفق معالم موجة عاتية من الهجوم على التيار السلفي، بمرجعياته ومناهجه ورجاله وفكره ورموزه وأتباعه ومؤسساته وكل ما يتصل به. الهجمة الجديدة ليست ككل هجمة سابقة؛ وذلك لأنها الأوسع على الإطلاق، وأن مساحة التآمر فيها تشمل مساحات هائلة من مجتمعات العرب والمسلمين وحتى العالم الغربي، وأيضًا بالنظر إلى ضلوع دول كبرى في هذه الهجمة، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، وما يدور في فلكهما من دول ومراكز ومؤسسات، وأيضًا بالنظر إلى أن هذه الهجمة مخططة بشكل جيد ومتكامل وتسير بخطا حثيثة أكثر إصرارًا على تحقيق"نتائج"، وكل ذلك يجعلني أؤكد على أنها الهجمة الأخطر على الوجود السلفي في عالم اليوم، وما لم تتضافر الجهود، وتنشط الأفكار، وتستشرف المستقبل وتتحسب للخطوات، فإن كارثة حقيقية سوف تحيق ـ لا قدر الله ـ بالإحياء السلفي في عالم اليوم وربما لعقود طويلة قادمة.
الوهابية كانت كلمة السر في هذه الهجمة ، عندما تصاعدت روح الجهاد في"الشيشان"وأوجعت الدب الروسي، أحيا الرئيس (بوتن) شعار"الخطر الوهابي"، لكي يصرف النظر عن الجرائم التي تقترفها قواته في الشيشان وحرب الإبادة والإرهاب التي مورست ضد الشعب الفقير البائس، فلما نشطت حركة المقاومة هناك حاول أن يستعدي عليها العالم الغربي فأطلق تحذيراته من مخاطر"الوهابية"، بالنظر إلى أن قياداتها ورجالها من المتمسكين بالسنة هديًاَ ومنهجًا، لم يكن الغرب مهتمًا بالمسألة حينذاك، بل كانت الولايات المتحدة تتعامل مع القضية الشيشانية كقضية حرب تحرير ومقاومة، وكانت هذه إحدى نقاط الخلاف الكبيرة للروس معهم، حتى وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكانت نقطة التحول في الموقف الأمريكي، حيث بدأت الدوائر الخبيثة في الإعلام ومراكز البحث الأمريكي في توجيه النظر إلى أن (بن لادن) والأشخاص المتهمين بالأحداث هم في غالبتهم من السعودية، وبالتالي فهم من أتباع المذهب"الوهابي"، وحتى الآخرون مثل الظواهري فهو"سلفي"من أتباع نفس المذهب، وبالتالي بدأت هذه الدوائر توجه الأجهزة المختصة هناك إلى"مخاطر الوهابية"وأن هذا التيار هو العدو الأول لأمريكا والغرب، وبالتالي شرعوا في وضع مخططات قصيرة الأمد وطويلة الأمد لرصد منابع التيار السلفي ومدارسه ورموزه واتجاهاته، ومن ثم مواجهته وحصاره، ثم محاولة اقتلاعه تمامًا ـ إن قدروا ـ من الساحة الإسلامية عقائد وأفكار وفقهًا ومنهجًا، لم يكن في الأمر أسرار، وإنما تصريحات ودلالات وشواهد على النحو الذي سنشير إليه.
خلال العامين الماضيين حدثني أكثر من شخص التقيته من بلدان عربية مختلفة، أن الاستدعاءات الأمنية كانت تتوجه ـ للمرة الأولى ـ نحو الشخصيات السلفية وأتباعها، حتى هؤلاء الأكثر بعدًا عن السياسة، وفي تفاصيل التحقيقات والأسئلة كان البحث دقيقًا عن"نوعية"الاتجاه السلفي، والمنهج والعقائد والشيوخ، وأيضًا الموقف من"الوهابية"هذا كان جديدًا تمامًا على التوجهات الأمنية المحلية في العواصم العربية، وقد تم بالفعل اعتقال الآلاف من هؤلاء الأبرياء في عواصم عربية عديدة بدون إبداء أي أسباب أو اتهامات تذكر.
في الوقت ذاته بدأت تنشط موجة من الكتابات والندوات والأفكار ـ بدعم وتوسعة رسمية خفية ـ تهاجم السنة النبوية وتنتقص من قدرها وقيمتها، وكان مدهشًا أن هذه الأفكار تُرَوّج في القاهرة واسطنبول والمغرب وغيرها في وقت واحد، وبنفس المداخل تقريبًا، ولقد كان الأمر في القاهرة أكثر وضوحًا؛ حيث كان أحد المراكز المقرّبة من الإدارة الأمريكية هو صاحب الرعاية لمثل هذه التوجهات، وتم عقد عدة ندوات تدور كلّها حول الانتقاص من السنة والادّعاء بأنها غير ثابتة مثل نص القرآن، وأنها السبب الذي يجعل المسلمين غير قادرين على الاندماج في ثقافة العصر، ونحو ذلك من أفكار، والمطالبة بالاكتفاء بالقرآن وحده، وبدأت صحف رسمية وقنوات فضائية تنشر حوارات وكتابات مع رموز من يسمون"بالقرآنيين"وهم الذين يدعون إلى الاكتفاء بالقرآن وحده كمرجعية دون السنة، ويهاجمون السنة وعلماءها ودعاتها هجومًا مريرًا، وقد نال الإمام ابن تيمية ثم الإمام محمد بن عبد الوهاب القدر الأكبر من الهجوم، رغم أن المتصدرين لهذه الموجة المنتسبة زورًا وجهلًا بالقرآن، لا ينتسبون إلى علوم الشريعة أصلًا، ومعارفهم شديدة الضّحالة وهم من أجهل الناس حتى بعلوم القرآن.