فهرس الكتاب

الصفحة 25776 من 27345

هذا الطِّيبُ مِنْ ذاك الحَبِيب!

د. محمد عمر دولة*

كثيرٌ من الناسِ يُحِبُّون الطِّيبَ والرياحين، ويستعملون المِسكَ والفُلَّ والياسمين؛ وتلك سُنَّةُ سيِّدِ المرسَلين صلى الله عليه وسلم؛ ولكنْ قليلٌ جِدًّا من الناسِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها الذين جَرَّبوا عبيرَ عبدِ اللهِ بنِ المبارك الذي وصفَهُ بقولِه:

وأقلُّ مِنْ أولئك مَنْ يشتاقُون إلى استنشاقِ عطرِ الشهادةِ في سبيلِ الله حينما يفوح من جراحِ المجاهدين أشرفِ مَنْ يمشون على هذه الأرضِ؛ ذلك أنَّ (اللون لونُ الدمِ، والرِّيح ريحُ المسك) !

ولئن قال النابغة الذبياني مجازًا في رائيّتِهِ المشهورة:

وقال عباس بن الأحنف:

فقد قال أنس رضي الله عنه كما في البخاري:"ما شممتُ مِسْكةً ولا عبيرةً أطيبَ من ريح رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم"!

ولئن قال كُثَيِّر:

وقال عبَّاسُ بن الأحنف كذلك مجازًا:

فقد كان يُطيَّبُ الطِّيبُ بعَرَقِ نبيِّنا الحبيبِ صلَّى اللهُ عليه وسلّم حقيقةً لا مجازًا، كما جاء في حديثِ أنس الذي رواه البخاري في كتاب الاستئذان: (باب من زار قومًا فَقَالَ عندهم) [1] ومسلم في كتاب الفضائل (باب طيبِ عرقِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم والتبرُّك به) ـ واللفظ لمسلم ـ أنّ أمَّ سُلَيْم جاءت وقد عرق النبي صلى الله عليه وسلم (واستنقع عرقُهُ على قطعةِ أديمٍ على الفراش، ففتَحَتْ عَتِيدَتَها، فجعلتْ تُنشِّفُ ذلك العرقَ؛ فتعصره في قواريرِها؛ ففزع النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما تصنعين يا أمَّ سُلَيْم؟ فقالت: يا رسولَ الله نرجُو بركتَهُ لصبيانِنا؛ قال: أصَبْتِ!) وفي روايةٍ: (قالت: عَرَقُك أذُوفُ به طِيبِي) [2] قال ابن حجر:"أذُوف ـ بمعجمةٍ مضمومةٍ ثم فاء ـ أي أخلط" [3]

وليتَ شعري هل ينفحُ الطِّيبُ إلا من شَذَى الغصنِ الرَّطِيب؟! فشَتانَ ما بين المصنوعِ والمطبوعِ! وما أبعدَ المكتسَب عن الموهوب!

[1] فتح الباري 12/342. دار الفكر بيروت. ط1-1414هـ.

[2] شرح النووي على مسلم 15/87. دار إحياء التراث العربي. ط 6.

[3] فتح الباري 12/344.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت