أمة التوحيد وتحقيق الوحدة.. كيف؟
د. حمدي شلبي
ديننا الإسلامي بكل مقوماته يدعو إلى أسمى معاني الوحدة، وجمع شمل المسلمين، فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وهذا يعني أن المسلم الحقيقي لا يشبع وأخوه المسلم جائع، ولا يفرح ولا يمرح وأخوه المسلم في هم وضيق، أو يهنأ ويسعد وأخوه المسلم في ويل وكرب، بل هو سند وعون لأخيه المسلم في كربه وشدته، وإن تناءت الديار أو اختلفت الأوطان .
وإذا كان شوقي يرحمه الله يقول:
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد == بيانٌ غير مختلف ونطق
فإن شعارنا الحقيقي هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم ) . وحال بعض إخواننا المسلمين في هذه الأيام تستدعي النصرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: ( ما من امرئٍ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل فيه حرمته إلاَّ نصره الله في موطن يحب فيه نصره، وما من امرئ مسلم يخذل مسلمًا في موطن تنتهك فيه حرمته إلاَّ خذله الله في موطن يحب فيه نصره ) .
ولا سبيل إلى هذه النصرة إلاَّ بجمع الشمل ووحدة الصف، حيث يقول سبحانه: { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ... } [ الأنفال: 46 ] ، ويقول سبحانه: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } [ آل عمران: 103 - 105 ] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) ، وكل شعائر الإسلام ترمز إلى الوحدة وتشير إليها من طرف خفي أو جلي، ففي الصلاة يقف المصلون صفًا واحدًا لا فرق بين عربي وأعجمي أو أبيض وأسود أو غني وفقير، فلا تفاضل بعرق أو لون أو جنس أو لغة، لا فضل إلاَّ بالتقوى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم ... } [ الحجرات: 13] .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل ، لهم أولى بمحمد صلى الله عليه وسلم منا يوم القيامة.
والزكاة نظام موحد على المسلمين في كل بقاع الأرض.
والصيام زمان موحد هو { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } [ البقرة: 185]
والحج هو شعار الوحدة الكبرى في الزمان والمكان واللباس والدعاء، وهو تأكيد على أن المسلمين مهما اختلفت ديارهم أو لغاتهم أو ألوانهم فهم أمة واحدة مربوطة برباط وثيق هو رباط الإيمان بالله الواحد الأحد والسير على هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
ولقيام وحدة الأمة لابد من:
1-العمل على نزع أسباب الخلاف والفرقة، ولا يكون ذلك إلاَّ بتقديم مصلحة الدين على سائر المصالح، مع الإخلاص والتجرد والشفافية.
2-التكامل والتكافل والتضامن، على أن الجانب الاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية يمكن أن يكون أحد الجوانب التي تسهم في تحقيق وحدة الصف.
3-الدفاع عن المستضعفين من المسلمين وموالاة المؤمنين ومعاداة من يحاربون الله ورسوله، ويحتلون ديار المسلمين..
4-التأكيد على أن حال آخر هذه الأمة لن ينصلح إلاَّ بما صلح به حال أولها وهو الكتاب والسنة، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: ( تركت فيكم أمرين ما إن اعتصمتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي )