فهرس الكتاب

الصفحة 6089 من 27345

أ.د. عباس محجوب*

التًّعليم باللغة العربية في التًّعليم الجامعي باعتبارها لغة القرآن والإرث المشترك بين الشعوب الإسلامية

1/ المقدمة:

لم تكن اللغة العربية للعرب وسيلة تخاطب يومي بل كانت صورة حياتهم الفكرية والعقلية التي مثلت مجدهم وثقافتهم و صورتهم ورسالتهم إلى غيرهم . وقد اكتسبت العربية مكانتها من غزارة كلماتها وتعدد أساليبها و وقوة أدائها وسعة صدرها وقابليتها للنماء والزيادة والتطور والرّقي ، ثم زاد من شرفها و خلودها و رسوخها نزول القرآن الكريم بها ، وتكريم الله لها دون اللغات الأخرى ، فأضاف إليها القرآن أبعادًا جديدة ومصطلحات مستحدثة وجعلها أوسع أفقا و أغزر عطاء وأقدر على استيعاب معطيات الحضارة كما منحها إظهار قدرتها في حمل الأفكار والمبادئ والنظريات السامية في الحياة.

وبفضل القرآن أصبحت اللغة العربية رمز الوحدة الثقافية والاجتماعية لأمة تحتل مساحة ما بين الخليج العربي شرقًا والمحيط الأطلسي غربًا و من آسيا الصغرى والبحر المتوسط شمالا إلى أواسط إفريقيا والمحيط الهندي جنوبًا بل أبعد من ذلك حيثما كان للمسلمين وجود [1] .

يقول القلقشندي [2] :"أما فضلها فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تعلموا اللحن والفرائض فإنه من دينكم، قال يزيد بن هارون:"اللحن هو اللغة"و لاخفاء أنها أمتن اللغات وأوضحها بيانا ، وأذلقها لسانًا وأمدها رواقا وأعذبها مذاقا و من ثم اختارها الله تعالى لأشرف رسله وخاتم أنبيائه وخيرته من خلقه وصفوته من بريّته ، وجعلها لغة أهل سمائه وسكان جنته وأنزل بها كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".

برهنت اللغة العربية بنزول القرآن بها على قدرتها الواسعة ومرونتها الذاتية على الانتقال بالعربية من لغة تواصل وتخاطب وخطابة وشعر إلى لغة تشريع و علوم واستطاعت في القرنين الثاني والثالث ترجمة العلوم الإنسانية وهضمها وتمثلها والإضافة إليها وأصبحت بحق لغة العلم والحضارة التي تتطور بأساليبها الذاتية وقدراتها الإبداعية وإمكاناتها الاشتقاقية الواسعة والعوامل التي جعلت من العربية لغة العلوم والتعلّم هي التي تمنحها القدرة على أن تكون لغة العلوم والتعليم في الجامعات الإسلامية في عصرنا .

كانت إرادة الخالق عز وجل أن تبقى العربية معزولة في أنحاء الجزيرة العربية محافظة على أبنيتها وتراكيبها ومعانيها لا تتأثر بغيرها إلا في حدود ضيقة مرتبطة بالحجيج والتجار الذين يفدون إلى"مكة"بلهجاتهم وفي رحلة الشتاء والصيف حيث تضاف بعض التعابير الجديدة إلى اللغة ، وعندما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالإسلام ، وكرّم هذه اللغة بجعلها لغة الدين الجديد أحدث ثورة لغوية في لغة العرب حيث وجد العرب في لغة القرآن الكريم ما لم يعهدوه في استعمالاتهم اللغوية ولغة خطبائهم وشعرائهم حيث الجديد في الألفاظ والعبارات ، والجديد في المعاني والدلالات ، فأصبحت العربية بفضل القرآن الكريم لغة متطورة تتوسع فيها الدائرة الدلالية للألفاظ ، وتكتسب الألفاظ من السعة الدلالية والمرونة اللفظية ما يجعلها قادرة على التعبير عن كل جديد في الحياة وكل إبداع ومستحدث في العلم والحضارة وذلك عن طريق المعاني الدلالية الجديدة التي اكتسبتها ألفاظ العربية واستعمال الألفاظ في معان مختلفة ذات مصطلحات استطاعت العربية هضمها وتمثلها والتعامل خلال فترة وجيزة جعلتها قادرة بعد قرن من الإسلام وسيلة نقل العلوم المختلفة وظهور طبقة من المترجمين ثم بعدهم المؤلفين الذين استفادوا من حركة الترجمة في الإضافة إلى علوم الحضارة والعلم .

استوعبت العربية العلوم الإنسانية كلها حفظا ونقلا ثم أضافت إليها إبداعا وابتكارا وأصبحت لغة العلوم حتى القرن السابع عشر وكان كل من أراد أن يكتب علما يقرؤه الناس لجأ إلى اللغة العربية . فكتب بها وألف وظلت كتبهم في العلوم الطبيعية المراجع المعتمدة في جامعات أوربا حتى أواخر القرن السابع عشر إلى أن ترجمت إلى اللاتينية [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت