فهرس الكتاب

الصفحة 15414 من 27345

الكاتب: الشيخ د.سلمان بن فهد العودة

في الصحيح عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ، صَعِدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الصَّفَا؛ فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ, يَا بَنِي عَدِيٍّ, لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا, فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ, فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ, فَقَالَ:"أَرَأَيْتَكُمْ, لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟".

قَالُوا: نَعَمْ, مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا.

قَالَ:"فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ!".

فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ, أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) .

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الخطبة أيضًا: (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا) . رواه مسلم.

هكذا كانت أشهر خطب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبها انتقلت الدعوة من السر إلى العلن، كانت تبليغًا وإنذارًا وتبشيرًا بكلمات قلائل، ووقت يسير، ولم تأخذ هذه الخطبة وقتا ً طويلا ً ولاشرحا ً مملًا، ولا سجعًا متكلّفًا مما تنوء به بعض الخطب.

بهذه الخطبة أوجز النبي -صلى الله عليه وسلم كلامه-، وأُوتي في كل حديثه جوامع الكلم, واختصر له الكلام اختصارًا, ومع أهمية هذه الخطبة وتاريخيّتها ودورها في فجر هذا الدين الإسلامي؛ فإنها لم تتشعب في التفاصيل, ولم تسهب في الشرح؛ فهي خطبة عظيمة لعظم المعنى الذي تحمله، والألفاظ التي عبّرت عن هذا المعنى، وجزالة الحرف، وصدق اللهجة, وشرف الموقف.

ومثل ذلك كانت خطبه -صلى الله عليه وسلم-، ولقد تعجبت يوم اطلعت على كتب السنة المعروفة؛ كالصحيحين, والسنن وغيرها, فلم أجد تلك الخطب الطويلة، والأحاديث المسهبة، وما يمكن وصفه بالطول تجد أن له متعلقًا بقصة أو معركة، فخطبته -صلى الله عليه وسلم- كلمات معدودة، لكنها تمتاز بخصائص نموذجية عالية مثل (الشمولية) في المعالجة للموضوعات المختلفة في شتى شؤون الحياة والعلم والدعوة, والسياسة والفقه, والعسكرية والإيمان؛ فهي ليست وعظًا محضًا مجرّدًا، بل يمتزج فيها الترغيب بالترهيب، والقصة بالعبرة، والحدث بالتحليل، والماضي بالحاضر بالمستقبل، وقضايا الإيمان واليقين بمسائل التشريع والتوجيه والتربية.

في لغة سهلة قريبة يفهمها الجميع، ولم تكن خطابًا خاصًا موجّهًا للنُّخبة أو العِلية، ولا لشريحة معينة؛ فالصغار والبسطاء والعامة مخاطبون بشكل مباشر, ولهم أهميتهم وقدرهم في خطاب لا تستهلكه الأحداث عن التوجيه والتربية العامة، كما لا يغيب عنها طرفة عين، كيف؟ و هو الصانع الرئيس لأهم الأحداث عليه السلام، والمشارك الأساس للناس في همومهم ومعايشة أدق التفاصيل في حياتهم.

ومن أعمق الملاحظات في وصف خطبه -صلى الله عليه وسلم- القول بأنها لغة (حواريّة) ؛ ممتلئة بكل أشكال تفاعل الناس والتفاعل معهم، والكثير الكثير من خطبه تجد أن أحدًا يقوم فيسأل, وآخر يقوم فيستشكل، وثالث يشكو, ورابع يحكي..

وفي الصحيحين -فقط - من ذلك شيء عجيب, مثل حديث أنس, حينما كان -صلى الله عليه وسلم- يخطب, فدخل رجل فقال: يا رسول الله، ألا تستسقي لنا؟!

فاستسقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسقاهم الله, ثم في الجمعة القادمة دخل رجل؛ فقال: يا رسول الله! ادعُ الله أن يمسكه عنا (أي: المطر) .

ففعل صلى الله عليه وسلم، فأمسكه الله.

وفي خطبة عيد الأضحى, قام أبو برزة فقال: يا رسول الله، إني ذبحت عناقًا.. الخ

وما أكثر الذين يقومون أو يدخلون من باب مسجده؛ فيسألونه وهو يخطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت