فهرس الكتاب

الصفحة 15415 من 27345

ومن ألطف هذا التفاعل نزوله صلى الله عليه وسلم من منبره وقد- أَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رضي الله عنهما - عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ, فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا, فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ:"صَدَقَ اللَّهُ (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ". ثم أكمل خطبته .كما عند أهل السنن وأحمد.

وهو صلى الله عليه وسلم بدوره كان يسأل ويوجّه, ويقيّم الذين لم يؤدوا تحية المسجد، ليعلم الناس أن هذه الخطب النبوية الشريفة تعايش واقع الناس, وتفهمه, وتوجّهه إلى أرشد سبيل وأقوم نهج, بأسلوب علمي وعملي, دون أن تلحقه آفات التجريد والتنظير التي شُغل بها بعض المعاصرين، أو سيئات التحزّب والتصعيد التي فُتن بها آخرون, وطريق الاعتدال هو بين الغياب عن هموم الناس وأحداثهم وبين أن تستهلكه مجموعة من الأحداث التي تفقده توازنه وتماسكه.

وأذكر لمّا دخل النظام البعثي الكويت صلّيت الجمعة مع أحد الخطباء، وكان الناس ينتظرون توجيهه حول الحدث والتعليق عليه، لكن فوجئت وفوجئ المستمعون بأنه كان يتحدث عن عذاب القبر, ولا أحد يقلل من قيمة الحديث عن ذلك, ولكن الموقف كان يستدعي نوعًا من الكلام المختلف، يتطلب شيئًا من التوعية والإضاءة للناس، فلو تكلم عن الإيمان أو التوكل أو الصبر أو أي شيء قريب من ذلك يمكن ربطه بالحدث؛ لكان أقرب إلى عقول الناس وحديثهم.

إن على من يريد توجيه الناس وإصلاحهم وبث الوعي الإيجابي فيهم، ودعوتهم للإسلام أن يطالب نفسه باستخدام لهجة يفهمها الناس ويعرفونها، واستعمال أسلوب يتعاطى مع حسهم قبل أن يصف الناس بقلة الفهم وانحطاط الوعي والإدراك، وقبل أن يصفهم بالبعد عن الدين والعلم.

إن اللغة السهلة القريبة الرقيقة هي جسر التواصل بين الخطباء والناس؛ فتأهيل الخطيب بفقه عام لأحوال الناس ولغتهم بُنْيةٌ أساسية لتحقيق فهم الناس للخطبة أولًا، وتفاعلهم واستجابتهم لها ثانيًا، وهذا التأهيل أو قريب منه هو الذي اعترف به قوم صالح لنبيهم صالح عليه السلام،حين قالوا عنه: (يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) . [سورة هود:62] ، لقد كان (مَرْجُوًّا) لأنهم يعرفونه, وعاش معهم لحظات الوجود أولًا بأول، فكان خطابه محرجًا للجميع؛ لأنه جاء بالحق والدين والإيمان في واقع يعرفه جيدًا, و لأناس هم قومه الذين عرفهم وعرفوه فكان (مَرْجُوًّا) فيهم.

ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- خير من أثبت في خطبته معنى الاهتمام بمخاطبة الناس, حتى إنه كان يفرق صلى الله عليه وسلم بين فئات المجتمع, ويدرك الفروق، وفي الصحيحين قصة خطبته للنساء, ووعظه لهن, وتفاعل النساء وأسئلتهن له صلى الله عليه وسلم؛ فالنساء تقوم, فتسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتستفسر وتستوضح في جو من التفاهم بديع.

وحتى منبره صلى الله عليه وسلم كان أرفع من الناس قليلا ً, ليكون أقرب لشدّ انتباه الناس, واسترعاء اهتمامهم.

وكذا صوته صلى الله عليه وسلم فلم يكن على وتيرة واحدة، فالطريقة الواحدة تبعث الإنسانَ على الملل، فكان يرفع صوته ويخفضه، ولذا كانت خطبة الجمعة خطبتين, بينهما جلسة قصدًا لتيسير فهم الخطبة, والاستجابة لها.

ويقول جابر: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خطب يرفع صوته ويخفضه, ويحمرّ وجهه, وتنتفخ أوداجه؛ كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم. رواه مسلم وابن ماجه وغيرهما.

وبالطبع فهذه ليست كل أحواله في خطبه، فهي تختلف في احتياجها لمثل هذا الشعور؛ فالموضوع والحدث يفرض أحيانًا نوعًا من الاهتمام يختلف عن موضوع وحدث آخر.

لكن: بهذه الأوصاف جميعًا تدرك دقة المتابعة, ورقي الإحساس النبوي في الخطبة، وترى في الوقت ذاته غفلة بعض الخطباء عن هذه المعاني والأوصاف، وترى بُعدهم عن الهدي النبويّ, فتشاهد إما طولا ً مفرطًا, أو لغة رديئة، أو بعدًا عن هموم الناس ومشاعرهم، أو ركاكة في التعبير، أو انفعالًا يبتعد عن سبيل الاعتدال الذي هو سمة هذه الأمة حين تُخاطب الناس, لتكون شهيدة عليهم, ومبلغة لرسالة الدين والحق, على خُطا نبيها محمد صلى الله عليه وسلم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) . [سورة البقرة:143] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت