من جوانب الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
في مقال سابق بيّنت أهمية معرفة حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهديهم ؛ وذلك لأخذ العبر العظيمة، والاقتداء بهم ، والتعزي بما أصابهم ، والحصول على الفوز في الدنيا والآخرة باتباعهم .
وسيكون التركيز في هذا المقال إن شاء الله تعالى بالوقوف على ثلاثة جوانب عظيمة من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هي في نظري من أهم جوانب الاقتداء بهم عليهم الصلاة والسلام ، وهي كما يلي:
أولًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في قوة العلم بالله تعالى، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد وقوة العبادة.
ثانيًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في الأخلاق والسلوك.
ثالثًا: من هديهم عليهم الصلاة والسلام في الدعوة والتبليغ.
وسيكون تحت كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة تقسيمات أخرى تفصّل فيها بعض الصور والأمثلة الداخلة تحت كل جانب ، مع محاولة الربط ما أمكن بواقعنا نحن المسلمين اليوم ، وبخاصة ما يتعلق بالدعوة والدعاة في هذا العصر ، موضحًا من خلال هذا الربط مدى قربنا أو بعدنا من هذا الهدي الكريم في كل جانب من الجوانب الآنفة الذكر من حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا هو جهد المقل ؛ فما وجدته أخي الكريم من صواب وحق فهو من الله عز وجل، وما وجدت فيه من خطأ وخلل فمني ومن الشيطان، فإلى تفصيل ما أشير إليه آنفًا .
الجانب الأول: من هديهم في قوة العلم بالله عز وجل، وأثر ذلك في صدق الإيمان وكمال التوحيد:
إن أعلم الناس بالله عز وجل هم أنبياؤه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وهذا العلم به سبحانه وبأسمائه وصفاته العلا هو الذي أوجد هذه الخشية العظيمة والإيمان الصادق والتوحيد الكامل لله عز وجل ؛ لأنه كلما كان العبد أعلم وأعرف بربه سبحانه كلما كان أشد خوفًا وتعظيمًا وعبادة ومحبة وإخلاصًا له ، والعكس بالعكس .
وإن مما اختص الله سبحانه به رسله ، ومما منّ به عليهم: تكميل هذا العلم العظيم في نفوسهم، والذي هو أشرف العلوم وأزكاها .
وإن المسلم مأمور بطلب هذا العلم الشريف قدر استطاعته اقتداءً بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولو أنه لن يصل إلى علمهم ولا إيمانهم ، لكنه بذلك يقترب منهم ويسعد بثمار هذا العلم العظيم في قلبه وسلوكه وحياته كلها .
ومن الأدلة على شرف هذا العلم ما يلي:
قول الله تعالى:عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في دعوته لأبيه: (( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ) ) (مريم: 43) .
وقوله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: (( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) (يوسف: 68)
وقوله تعالى عن يعقوب عليه الصلاة والسلام: (( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (يوسف: 96) . .
وقوله تعالى عن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: (( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (الأعراف: 62) .
وهذا موسى عليه الصلاة والسلام ، مع ما آتاه الله عز وجل من العلم العظيم ، فإنه لم يكتف به، وإنما طلب المزيد .. وقصة سفره (عليه الصلاة والسلام) إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه معروفة ، وقد قصها الله (عز وجل) علينا في كتابه الكريم ، والشاهد منها قوله تعالى: (( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) ) (الكهف: 66) .
وللشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه القصة كلام نفيس ، فليرجع إليه .
وقوله تعالى لنبيه محمد: (( قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ ) ) (الأنعام: 57) .
وقوله عن نفسه عندما تنزه بعض الصحابة عن شيء رخص فيه الرسول ، فُبلِّغ ذلك إليه ، فخطب ، فحمد الله ، ثم قال: (( ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ ! ، فو الله إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشية ) ) [1] .
الآثار على نفوس الأنبياء: وبعد سرد هذه الأدلة والتي هي على سبيل المثال لا الحصر نأتي الآن إلى أثر هذه البينات العظيمة في نفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، الناشئة عن هذا العلم الشريف بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا ، لعلنا نهتدي بهذه الآثار الإيمانية المباركة ونسعى للتأسي بهم .
ومن هذه الآثار ما يلي:
أولًا: شدة تعظيمهم لله عز وجل وخوفهم منه: