فهرس الكتاب

الصفحة 20951 من 27345

الكاتب: الشيخ د.عبدالرحمن بن أحمد علوش

كفران النعم ( قصة سبأ )

كم من أمة أيها الإخوة ، كان مساؤها نعيما مترفا لاهيا، وغنى مطغيا، ثم كان صبحها عذابا مؤلما وهلاكا مخزيا / كان هذا حال أهلها حينما فتحت عليهم النعم وتنوعت لهم المنن فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم /فكفروا بنعم الله وطغوا على حدود ه وعتوا عن أمره / فلم يرعوا للنعم حقها / ولا لفضائل شكرها / فأخذهم الله في يناغ زهوهم واستكمال بهجته / أتاهم أمر الله ليلا أو نهارا فجعلهم حصيدا كان لم يغنوا بالأمس / هذا حال الجاحدين لنعم الله وفضله / وآيات الكتاب شاهدة يقول عز وجل: (وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون )

يعرضُ القرآنُ الكريم في هذه الآية ، مثلًا مضروبًا، مُسَاقًا للعظةِ والعبرة، لقريةٍ من القرى كانت تنعمُ بأمنٍ واستقرار، وطمأنينةٍ ورغدٍ من العيش، يأتيها رزقُها من كل مكان، لا يعرفُ أهلُها الجوعَ والخوف، ولا الفاقةَ والحرمان، فهم في أوجِ لذاتِهم، وغايةِ سعادتهِم لكنَّ أهلَ القريةِ المغفلين، ظنوا أنَّ ذلك بسببِ حسبهِم ونسبهِم، ومكانتهِم عند الله تعالى، وأنهم يستحقون ذلك لفضلهِم وتميزهِم عند الناس، فتجرأَ المغفلون، تجرءوا على انتهاكِ محارمِ الله، وتجاوزِ حدودهِ سبحانه، مغترينَ بإمهالِ اللهِ لهم، وانحرافهِم وظلمهِم وبغيهِم، فبدلًا من أنْ يشكروا ربهم، ويعترفوا بإحسانِه إليهِم وتفضلِه عليهِم، ويلتزموا حدودَه، ويعرفوا حقوقَه، إذا بهم يتنكرون للمنعِم العظيم، ويتجرءون في سفهٍ وغرور، على العزيزِ الحكيم، الذي يقول: (يا عبادي فاتقون) ويقول: (وإياي فارهبون) فماذا كانتْ النتيجة، وما هي النهايةُ والعاقبة، بعد فترة الفرصة والمهلة ، ؟! إنها نهاية َّمدمرة وموجعة (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) .

إذًا فرغدُ العيش، وسعةُ الرزق، يتحولُ في طرفةِ عين، ولمحةِ بصر، جوعًا يَذهبُ بالعقول، وخوفا يهلع القلوب ، وإذا بأصحاب البطون الملأ، ، يتضورون جوعا، ويصطلون حسرةً وحرمانا، وإذا الأمنُ الذي، كانوا يفاخرون به الدنيا، وينسونَ في عجبٍ وغرور، المتفضلَ به سبحانه، والمنعمَ به جل جلاله، إذا به ينقلبُ رعبًا وهلعا، لا يأمن المرءُ على نفسِه وعرضِه فضلًا عن مالهِ وملكه

وتستمر ايها الاخوة آيات الكتاب الكريم تعظ اللاهين السادرين من أهل الزمان على مر الأزمان الذين ركنوا إلى ترف الحياة ورغد المعايش ووفرة الأرزاق فنسوا حظ الله يقول عز وجل في قوم سبا: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور .فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور )

لقد كان لقوم سبأ في موضع سكناهم باليمن آية عظيمة دالة على عطاء الله جل وعلا وعلى كرمه وإحسانه وعلى قدرته وقوة سلطانه سبحانه / آية عظيمة على مجازاة المحسن بإِحسانه، والمسيء بإِساءته / هيأ الله لهم أسباب العيش الرغيد والرزق الوفير / كانوا يعيشون على ضفاف واد ماؤه مسكوب لاينقطع / متدفق عذب لاينضب / فبنوا سدا منيعا يحجز الماء / وشقوا الجداول من دونه ليصل الى كل منزل وبستان / فكانت لهم حديقتان عظيمتان كان من حسنهما كالجنان / فيهما من كل أنواع الفواكه والثمار عن يمين الوادي ، وعن شماله /حدائق غناءه وبساتين نضرة / وفواكه جميلة قال قتادة: كانت بساتينهم ذات أشجار وثمار، تسرُّ الناس بظلالها، وكانت المرأة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، فيتساقط من الأشجار ما يملؤه من غير كلفةٍ ولا قطاف لكثرته ونضجه / ثم أمرهم الله بقوله (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ) كلوا من فضل الله وإِنعامه ولا عليكم الا أن تشكروا ربكم على هذه النعم الوافرة وستجدون المزيد /فبلدتكم التي تسكنونها بلدةٌ طيبة، كريمة التربة، حسنة الهواء، كثيرة الخيرات، وربكم الذي رزقكم وأمركم بشكره ربٌ غفورٌ لمن شكره واعترف بفضله ولكن {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} أعرضوا عن طاعة الله/ أعرضوا عن شكره، أعرضوا عن إتباع أوامر رسله، فأرسل الله عليهم سيل العرم سيلا مدمّرا مخربا لا يطاق لشدته وكثرته، فغرَّق بساتينهم وغرّق دورهم /غرَّق أموالهم / وأفسد زروعهم / وأبدلهم بتلك البساتين الغناء، بساتين قاحلة جرداء،وبتلك الحدائق النضرة بأشجار ذات أُكل مرٍّ بشعة / وبتلك القصور المنيفة بدور خربة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت