أ. د. جعفر شيخ إدريس
أُلقي هذا البحث في المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية الذي عُقد بالخرطوم (22-26 جمادى الأولى عام 1401هـ الموافق 28 مارس- 1 أبريل 1981م) بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري. ثم نُشر في مجلة هذه سبيلي، العدد: 5 ، 1403-1983، ثم نشرته رابطة الشباب المسلم العربي في عام 1987م على شكل كEتيب صغير.
مقدمة
مقتضيات العصر وأهواء العصر:
مكونات الحضارة الغربية:
هذه هي أهم مكونات الحضارة الغربية … فماذا نأخذ من هذه الحضارة وماذا ندع ؟
ولكن أصحيح أن هذا التصور الإلحادي لازمة العصر ؟
ما هي أسباب هذه التبعية:
ما الحل إذن ؟
كيف نواجه الحضارة الغربية ؟
مقدمة
ما من شك في أن الغرب بشقيه الرأسمالي والشيوعي يرمي العالم الإسلامي كل يوم بوابل من سهامه الفكرية في صورة نشرات خبرية وأحاديث إذاعية ، وتمثيليات ومقالات ، وصور ، وكتب ، ومحاضرات جامعية ، ودروس مدرسية وغير ذلك من أشكال الفكر والدعاية .
وما من شك في أن هذه مصيبة كبيرة
ولكن المصيبة الكبرى هي قبولنا نحن لهذا الفكر كله ، وعدم التفرقة بين ما كان منه سمًا قاتلًا ، وما كان بلسمًا شافيًا ولذلك فإن عبارة (الغزو الفكري) لا تصف الواقع وصفًا دقيقًا [1] .
إذ لو كنا ننظر إلى الفكر الغربي المسلط علينا على أنه غزو لأعددنا لمواجهته ما استطعنا من قوة ، ولقاومناه بقدر الوسع والطاقة ، ولكن مشكلتنا أننا لا نعتبره غزوًا يَستعبِد بل قوة تُنقذ وتُحضر وتُحرر ، ولها فإننا لا نكتفي بما يوجهه الغرب إلينا من قذائف ، بل نسعى للاستزادة من فكره وحضارته..
أ- بالذهاب إليه في موطنه لنتعلم منه ليس فحسب العلوم النافعة ولكن التصورات الفلفسية والقيم الخلقية والقوانين والعادات والتقاليد .
ب- وبأن نكون رسله المخلصين إلى بلادنا نبث بين أبنائنا ما تلقياناه عليه ونترجمه إلى لغاتنا الإسلامية ونشرحه وندعوا إليه وندافع عنه فعل المقلد المعجب المشدود الذي لا ينقد ولا يجتهد ولا يُقوّم..
جـ- وباستجلاب كتبه ودورياته وصحفه ومجلاته .
د- وبدعوة أبنائه في شكل مدرسين وأساتذة جامعات وخبراء في شتى المجالات.
فإذا صح أن الفكر الغربي يغزونا ، فصحيح أيضًا أن أقوى أدواته لغزونا هم أناس من بني جلدتنا ، إنهم حكامنا وإداريونا ومدرسونا وكتابنا ومحررو صحفنا وإعلاميونا بل وضباطنا وأطباؤنا ومهندسونا وسائر أفراد الطبقة القائدة في بلادنا إلا من رحم ربك وقليل ما هم. ومع هذا أقول إن حل مشكلة (الغزو الثقافي) الغربي للعالم الإسلامي لا تكون بقطع الوشائج الفكرية بيننا وبين الغرب ، فإن ذلك غير ممكن وغير مفيد . وإنما يكون بدراسة الحضارة الغربية دراسة تحليلية عميقة للتفرقة بين ما كان منها نافعًا يؤخذ أو ضارًا يترك بميزان علمي خلقي يقبله كل عاقل . وبدراسة الأسباب العميقة لتيعيتنا لهذه الحضارة وسيطرتها علينا ثم بالتماس الحلول التي تؤدي إليها تلك الدراسة . ثم بالعزيمة الصادقة القوية على وضع هذه الحلول موضع التنفيذ . وسأحاول في هذا المقال أن أضيف إضافة متواضعة إلى الجهود التي بُذلت في هذا السبيل ، ومن الله العون وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل .
مقتضيات العصر وأهواء العصر:
أنصار الفكر الغربي في بلادنا وكثير من أئمته في بلاده يُصورون الحضارة الغربية على أنها حضارة العصر ، لا يمعنى أنها الحضارة السائدة والمسيطرة فيه ، فذلك أمر حسي لا ينكره إلا مكابر ، ولكن بمعنى أن فكرها وقيمها هي القيم التي يقتضيها العصر .
والإنسان بطبيعه يميل إلى أن يكون ابن عصره ، يلبس كما يلبس أبناء العصر ، ويسكن كما يسكنون ، ويتكلم كما يتكلمون ، ويتعلم كما يتعلمون ما يُعينه على أن يعيش كما يعيشون ، والأمم تميل مثل هذا الميل فلا تريد التخلف عن ركب الأمم المعاصرة لها في مسكن ولا ملبس ولا قوة ولا علم يسهل الحياة ويوسع الآفاق وينير البصائر ، ولكن البون شاسع بين المعاصَرة والإمَّعِيَّة.
إن المفهوم الصحيح للمعَاصَرة كما أتصوره هو أن تكتسب الأمة تلك العلوم والمهارات والأدوات والأشياء التي يقتضيها العصر ، يقتضيها بمعنى أن الأمة التي لا تكتسبها تكون متخلفة بالقياس إلى أمم معاصرة لها في إنتاجها المادي ، وقوتها التسعكرية ، وأثرها الثقافي ، وتكون لذلك أمة ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها ، بل أن تنشر فكرها وثقافتها .