فهرس الكتاب

الصفحة 7170 من 27345

فإذا شعرت أمة كالأمة الإسلامية أنها تخلفت عن ركب التاريخ فعزمت على اللحاق به فمن الطبيعي أن تنظر في حال الأمم التي سبقتها لتعرف سر تفوقها فتتعاطااه كي تكون مثلها ، ولكن هذا هو الموطن الذي زلت فيه أقدام كثير من القادة والمفكرين من أبناء الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم التي أرادت أن تحذو حذو الغرب لتلحق به ، وسبب الزلة أنهم حسبوا أن كل ما في الغرب فهو من لوازم العصر ومقتضياته ولم ينظروا نظرة الباحث المتروي الذي يحاول جهده أن يفرق بين مقتضيات العصر وأهواء العصر ، أو بين أسباب التقدم الحقيقية وملابساته العرضية . فكان مثلهم كمثل رجل سبقه آخر في مباراة الجري فقال لكي أكون عداء مثله فلا بد أن اتخذ قميصًا كقميصه وتُبانًا كتبانه [2] شكلًا ولونًا وحجمًا . لا تستغربوا ما أقول فأنا أصور واقعًا ولا أرسم"كركتيرًا) . ألم يروِ لنا الفيلسوف والأديب المصري الشهير الدكتور زكي نجيب محمود عن نفسه أنه مر عليه زمان كان يرى فيه"أنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترًا ، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علمًا وحضارة ووجهة نظرٍ إلى الإنسان والعالم ، بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل ما يأكلون ونجدُّ كما يجدون ونلعب كما يلعبون ونكتب من اليسار إلى اليمين كما يكتبون ، على ظن مني آنئذ أن الحضارة وحدة لا تتجزأ ، فإما أن نقبلها من أصحابها وأصحابها اليوم هم أبناء أوروبا وأمريكا بلا نزاع وأما أن نرفضها وليس في الأمر خيار بحيث ننتقي جانبًا ونترك جانبًا كما دعا إلى ذلك الداعون إلى اعتدال" [3] ."

إن هذا الأستاذ ليس شاذًا بين مثقفي العالم الإسلامي ، وأقواله هذه ليست فلتات عابرة وإنما هي تعبير عن حال فريق كبير من مثقفي هذه الأمة وعوامّها .

ولكن أصحيح أن كل ما في الغرب من فكر هو من مقتضيات العصر ، بحيث يصبح الذي يرفضه متخلفًا عن ركب عصر ، أو عائشًا خارج التاريخ كما يقولون ؟ لكي نجيب على هذا السؤال لابد أن نلقى على الفكر الغربي نظرة تحليلية فاحصة لنرى مم يتكون هذا الفكر؟ ولنعرف مكوناته لازم لعصرنا وأيها طارئ عليه.

مكونات الحضارة الغربية:

أن الحضارة الغربية تتكون على وجه الإجمال مما يلي:

أولًا: حقائق رياضية أو طبيعية أو اجتماعية أو نفسية تبثت صحتها بالتجربة الحسية أو البرهان العقل .

ثانيًا: نظريات عملية عن الطبيعة أو الإنسان فردًا وجماعة وهي ثلاثة أنواع:

أ- نوع نجح في تفسير كثير من الظواهر ولم نجد ما يدل على بطلانه وإن كنا لا نقطع بصحته .

ب- نوع ما زال في طور التجربة

جـ- نوع ثبت بطلانه .

ثالثًا: تقنية تكاد تشمل كل جوانب الحياة أدى إليها تطور العلوم الطبيعية والرياضية .

رابعًا: مهارات تقنية وإدارية على تلك العلوم .

خامسًا: تصورات دينية أو فلفسية للوجود ومكانة الإنسان فيه وللقيم الخلقية والجَمالية ولعلاقة الفرد بالمجتمع .

سادسًا: أوضاع سياسية واقتصادية وعلاقات اجتماعية وعادات وتقاليد تسوغها تلك التصورات .

ثامنًا: ولكن الفكر الغربي بشقيه الليبرالي الرأسمالي والأممي الشيوعي ليس مجرد خليط من الأفكار والتصورات المتماثلة القوة والفاعلية ، بل إن منه ما يمكن اعتباره الفكر المسيطر المهيمن على غيره ، والذي يمثل الأصل والإطار التصوري اشامل للفكر الغربي ، ويمثل في ذات الوقت معياره التقويمي للحق والباطل ، وللخير والشر ، لما ينبغي أن يبحث وما ينبغي أن يهمل ، ولِما يقبل وما يرفض ، بل ويمثل الإطار الذي توضع فيه الحقائق العلمية ومن ثم تفسر تفسيرًا يتناسب معه وتستنتج منها نتائج توافقه .

هذا الفكر السائد المهيمن فكر إلحادي مادي فحواه:

أ- أن الواقع الموضوعي يتكون في النهاية من لبنات مادية متناهية الصغر في حجمها متحركة في فراغ .

ب- أن كل ما في الوجود فهو إما هذا اللبنات ، وإما أشياء مركبة منها ، وإما علاقات بينها وما سوى ذلك فلا وجود حقيقي له .

جـ- إن طبيعة هذه المركبات سواء كانت أجسامًا جامدة أو كائنات حية ، أو جماعات بشرية تفسرها في النهاية طبيعة اللبنات المكونة لها ، هذا على الرأي السائد بين جمهرة المشتغلين بالعلوم الطبيعية وهنالك رأي لكثير من فلاسفة العلوم يقول أن المركبات تكتسب بحكم تركيبها طبيعة جديدة لا يمكن ردها إلى الأجزاء المكونة.

د- أنه ينبغي لذلك أن نلتمس تغسير الظواهر النفسية والاجتماعية والحيوية والفيزيائية في أسباب ضمن هذا الكون المادي ، أي أن الكون المادي كون مكتف بنفسه ، غير محتاج إلى قوة خارجه تخلقه أو ترسم مساره أو تدير أمره .

هـ- ولذلك فإن كل عبارة تنطوي على دعوى تخالف في ظاهرها هذا التصور ، فإما أن نحكم ببطلانها وإما أن نُعيد تفسيرها ، بحيث نجد لها مكانًا داخل هذا الإطار الإلحادي المادي .

و- وكل ظاهرة يُدَّعي أنها خارقة لقوانين الطبيعة فهي إما كذب أو وهم لا أساس له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت