فهرس الكتاب

الصفحة 17396 من 27345

الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح

لقد أوضح الله تعالى لنا في كتابه الدنيا وحقيقةَ أعمالها وأبان لنا الآخرةَ وحقيقةَ حياتها فقال: (وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدارَ الآخرةَ لهي الحيوانُ لو كانوا يعلمون) إنما الدنيا لهو ولعب في جميع مراحله، تُلهي الناس وتشغَلُهم عن المنفعة الدائمةِ واللذة الحقيقةِ التي خلقوا من أجلها وهي الآخرةْ ولذتِها التي هي دارُ الحيوان، وهذه الدنيا أكثرُ أهلها في لعبٍ ولهو وباطلٍ وغرورٍ وإضاعةِ أوقاتٍ، يقضون حياتهم فيها من أجل المتعة والاستمتاع، حكايتهم فيها كالأولين الذين قالوا: ( إنْ هي إلا حياتنا الدنيا ) ومع ذلك فهي كالأحلام تمر بهم سريعا..

ألا إنما الدنيا كأحلامِ نائم ** وما خيرُ عيشٍ لا يكونُ لدائمٍ

تأمل إذا ما نلت بالأمس لذةً ** فأفنيتها هل أنت إلا كحالمِ

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله وما والاه وعالم أو متعلم ) فكل ما فيها مذموم إلا ما كان فيه ذكر لله تعالى أو ما يؤدي ويعين على ذكر الله، ولذلك فإن الأذكياء من الصالحين عرفوا حقيقتها وقيمتها، فثمنوها واستثمروها فيما يعود عليهم فيها بالفائدة، فقد كانوا يحذرونها، وما كانوا يذمونها، ذم رجل الدنيا عند أمير المؤمنين عليُ بنُ أبي طالب رضي الله عنه فقال له: يا هذا ..! الدنيا دارُ فسْقٍ لمن صَدَقَها، ودارُ نجاة لمن فهم عنها، ودار غنىً لمن تزود منها..

لا تُتْبِعِ الدنيا وأيامَها ذما ** وإن دارت بك الدائرة

مِن شرف الدنيا ومِن فضلها ** أن بها تُستدرك الآخرة

فالدنيا إذًا بحسب ما يملؤها ويعيش فيها صاحبها من خير أو شر، وهي مع ذلك مليئة باللهو واللعب والزينة، وقد حذرنا خالقها من أن نعيش فيها مبتغين منها هذه الأشياء فقال جل وعلا: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخرٌ بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ) فهي في حقيقتها لعبٌ باطل وفَرَحٌ زائل، لعبٌ كلعب الصبيان، ولهوٌ كلهو الشباب، وزينة كزينة النساء، وتفاخر كتفاخر الإخوان ، وتكاثر كتكاثُر السلطان، سريعةُ الانقضاء كثيرةُ التقلب، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن أغنت في الحال أفقرت في المآل وهكذا، ولقد اتخذ سلفُنا صالحَ الأعمال فيها سُفُنا لما رأوها مليئة بالشهوات والملهيات، فأبحروا فيها إلى شاطئ السلامة شاطئ الآخرة، وحققوا فيها قول الله تعالى: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) .

مرّ شُريحٌ القاضي رحمه الله على قوم يلعبون، قال: ما لي أراكم تلعبون؟ قالوا: فرغنا، قال: ما بهذا أُمر الفارغ، وقال عمر رضي الله عنه:"إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة".

إن الدنيا التي نعيش في ظلالها اليوم صار فيها أنواع من اللهو والترفيه والتسلية لم تخطر ببال أحد ممن سبقنا، وقد تقدم العلمُ الدنيويُ والصناعةُ ووفرت للإنسان مزيدا من الوقت والجهد بهذه الآلات التي صارت تقوم بالنيابة عن الإنسان في جميع شؤون أعماله الحياتية، حتى أصبح الإنسان اليوم يختلف كثيرا عن إنسان الأمس في مطعمه ومشربه وملبسه ومركبه ولهوه وفي حياته كلها، إن هذه الصناعةَ الحديثةَ التي تعيشها الدنيا اليوم قامت بتغيير نمط الحياة لدى الإنسان في زراعته وصناعته وحياته ووفرت وقته بشكل كبير ما كان يحلم به إنسان الأمس، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليُعقل، أين ذهبت هذه الأوقات الموفَّرة التي وفرتها هذه الحضارة المزدهرة في عالم الإنسان اليوم..؟

لقد نشأ بعد الحرب العالمية الثانية علمٌ لدى الغرب أسموه علمُ اجتماع الفراغ، وكان هذا العلم نتيجةَ كثرةِ الفراغ الذي حصل عند الناس بسبب هذه الكفاءة والتنمية وزيادة الطاقة الإنتاجية والتقدم التقني، فكيف ملئوا هذا الفراغ الذي كان يهدد إنسانيتهم في عالمهم؟ لقد ملئوه بأنواعٍ من الترفيه والتسلية الحديثة، وصار لأجل ذلك صناعاتٌ وشركات ورأس مال هائل، يُنفَق على التسلية والترفيه .. فهل التسلية والترفيه في عالمنا اليوم كتسليتهم؟ هل هذا الترفيه الذي نعيشه ويعيشه أبناؤنا اليوم هو ترفيه مذموم؟ إن سنة الله في عالم الإنسان أن فعله متوسط بين عالم الملائكة وعالم الشياطين، فمُكّن الملائكة بالخير، يفعلون ما يُؤمرون، يسبحون الليلَ والنهار لا يفتُرون ، ومُكّن الشياطينَ بالشر والإغواء فلا يغفلون، وجُعل عالمُ الإنسان متلونا، وإليه أشار صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم بقوله:"ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"ففي ساعة الحقوق تؤدون حقوقَ ربكم، وفي ساعةِ الفتور تقضون حظوظ أنفسكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت