فهرس الكتاب

الصفحة 3749 من 27345

الأمل في حياة المسلم محمد الحبر يوسف*

للعقيدة الإسلامية آثار عظيمة على سلوك معتقديها، ولا شك أن من أعظم هذه الآثار ما تبعثه العقيدة في النفس الإنسانية من طمأنينة ورضا، وما تسكبه من أمل ورجاء؛ (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ؛ فالمؤمن الحق مطمئن النفس، هادئ البال، لا يستبد به القلب، ولا يستسلم لوساوس اليأس مهما اشتدت الخطوب أو تداعت النوازل، بل يتعامل مع صروف الدهر وتقلباته بنفس مطمئنة؛ لأنه يعلم أن هذا الكون لا يقع فيه شيء إلا بقدر من الله؛ (إنا كل شيء خلقناه بقدر) .. وقد تواترت الآيات في تأكيد هذا المعنى وبيان أن ما شاء الله له أن يكن كان؛ (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) ، (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم) ، وكان من دعاء نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك) .

وقضاء الله على العباد يجري وفق سنن لا تتخلف في نظام هذا الكون، ومن أحسنَ فقهَ هذه السنن وراعاها تفتحت أمامه آفاق الرجاء والأمل الفسيح. ومن هذه السنن سنة التداول؛ قال تعالى (وتلك الأيام نداولها بن الناس) ؛ فأحوال البشر في هذه الحياة لا تستقر على حال واحد، بل صعود وهبوط، وفقر وغنىً، وعافية ومرض، وحياة وموت، وهزيمة ونصر.. والقرآن الكريم حينما يقرر هذه الحقيقة لا يذكرها مجردة، وإنما يسوق لها الأدلة، ويضرب لها الأمثال حتى تكون يقينًا عند الموحدين؛ لا يتطرق إليها شك، أو يمازجها ريب.. فمن فكم من مكروب نجاه الله!، وكم من مريض شفاه الله!، وكم من ضال هداه الله!، وكم من عائل أغناه الله!؛ (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر) ، (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) ، (ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين) ، وقال تعالى عن نوح عليه السلام (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر) .

وما يقال عن الأفراد في هذا الباب ينطبق على الأمم والجماعات، وقد قص علينا القرآن الكريم أخبار الأولين، وذكر لنا أحوال الأمم السالفة؛ فرأينا أممًا عمرت الأرض، وبلغت الغاية في القوة والعمران، ثم مضت فيها سنة الله، وأخذها بعد أن فشا فيها الفساد؛ (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) ، وحدثنا القرآن عن أمم مستضعفة سامها الطواغيت سوء العذاب، واستعبدوا شعبها أيما استعباد، ولكن ببركة الرسل والرسالات أذن الله لهذه الأمم أن تنهض من كبوتها وضعفها؛ وما هي إلا سنوات حتى نهضت، وقوى سلطانها، واستبحر عمرانها، ومن هذه الأمم أمة بني إسرائيل الذين أخبر الله عن نكال فرعون بهم؛ (يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين) ، ثم أخبرنا عن مِنَّتِه عليهم، وعنايته التي أدركتهم؛ (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت