فهرس الكتاب

الصفحة 3750 من 27345

إن القرآن الكريم يقص علينا هذه القَصَصَ حتى نعتبر بسردها، ومن أعظم هذه العبر الثقة في الله، والبراءة إليه من اليأس والقنوط؛ قال تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال إنا منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكمن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلاَّ الضالون) ، وفي قصة يوسف عليه السلام نقرأ قوله سبحانه! (يا بَنِيَّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ، وإذا كان هذا اليأس مذمومًا في كل موقف لأنه ينافي الدين، ويعطل نظام الحياة فإن أسوأ ما في هذا اليأس أن يتحول من حالة فردية تنحصر في آحاد الناس إلى حالة جماعية تصاب بها الأمة؛ فتنهار قواها، وينفرط عقدها.. وواقع المسلمين يشهد أن الأم تخللتها فترات دب فيها اليأس واستحكم حتى انقطع رجاء المصلحين في الإصلاح، واستسلمت الأمة - حكامًا ومحكومين، ودعاة ومدعوين - لطالعها النكد، ووجد الخصم الفرصة مواتية؛ فجاسوا خلال الديار.. ولعل الفترة التي سبقت سقوط الخلافة العثمانية تجسد هذه الحالة بوضوح، وليست المصيبة في انهزام الأمة أمام جحافل الأعداء؛ فهذا أمر مكرور في التاريخ الإنساني، والهزيمة في ميدان المعركة على مرارتها أهون على الأمم من أن تنهزم في تصوراتها، ومقومات وجودها، وبقاءها، وأهون عليها من أن تستسلم للمنعطفات، وأن تظن في نفسها أن هذه هي نهاية المطاف، وقاصمة الظهر.

ولذلك جاءت آيات القرآن الكريم تنهي الجماعة المسلمة عن الوهن، والشعور بالضعف حتى في أوقات التراجع والانكسار، وتعقيب القرآن الكريم على غزوة أحد التي انهزم فيها المسلمون جاء مشحونًا بالآيات التي تستنهض الهمم، وتقوى العزائم، وتذكر المستأخرين بأخلاق المستقدمين؛ (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) ، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ، (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين) ، (وكأيِّن من نبي قاتل مع ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) ، (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .

إن تحرير الأفراد والأمم من اليأس هو البداية الصحيحة للتغيير، والخطوة الأولى في طريق النصر، والجماعة التي تتربى على الثقة بالغيب، وتنظر إلى المستقبل بتفاؤل واستبشار، قادرة بتوفيق من الله أن تحول مجرى التاريخ؛ فتجعل من الهزيمة نصرًا، ومن الشتات قوة، ومن الضعف ثورة، وهذا ما قذفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نفس أصحابه منذ اللحظات الأولى لتنزيل الرسالة؛ فكان يقول لهم: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه) ؛ فيسمع الصحابة هذه البشارات؛ فترتفع النفوس من شكوى الفاقة، وقطع الطريق، وقلة الناصر..

وما أحوج الأمة في تاريخها المعاصر إلى أولئك الدعاة المهرة؛ ليعززا ثقتها بالغد المشرق، والمستقبل العزيز؛ (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت