فهرس الكتاب

الصفحة 14396 من 27345

28 جمادى الأول 1398 / 5 أيار 1978

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

كنت أريد اليوم أن أتحدث إليكم وفي نفس الوقت أن أصرف الحديث عنكم إلى غيركم ، كنت أريد أن أقف هذا اليوم وأنا أعلم أن كل كلمة تقال تصل إلى من يرغب في الاستماع إليها مستفيدًا أو متغرّضًا ومبيّتًا نوايا السوء . يحسن بي قبل كل شيء أن أقول لكم بكل الصراحة الممكنة أنني لا أحرص على شيء ولا أرغب في شيء ، فمن أجل ذلك لست أبدًا على استعداد لأن أغض الطرف عن معارك مفتعلة وضارة يبيّت لها أناس لا خلاق لهم ولا ضمير عندهم ولا دين ولا شرف ، ويقينًا فإنني لم أغيّر نية الحديث عنها إلا وأنا أخط أواخر هذه الخطوات إلى المنبر ، إنني أتصور أن من واجبي أن أعطي هؤلاء الناس فرصة يراجعون فيها أنفسهم ، ولا أقول: يصلحون ما أفسدوا . لأن الأمور بلغت مستقرها ، وما يقدره الله تعالى فهو كائن لا محالة .

إن الغرور داء قتّال ، وأسوء مرض يصيب الإنسان هو أن ينسى نفسه وأن يتجاهل قدره وأن يعدو طوره ، إن عقوبة محتّمة تظل تطارد وباستمرار كل أولئك الذين يغادرون أرضهم بغير حق ، لأن هذا غلط ، ولأن سنن الحياة تأبى الغلط . ولقد ابتلينا بشراذم أملى لها الغرور ما أملى فصوّر لها أنها أكبر من حجمها ، وذلك خطر عليها ، لقد أردت أن أمنح هؤلاء الناس فرصة ، يراجعون أنفسهم فيها ، والله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات . يتصور هؤلاء الإخوة أنهم أذكياء وهم في الحقيقة أغبياء ، ويتصور هؤلاء الإخوة أنهم شجعان وهم في الحقيقة جبناء ، ويتصور هؤلاء الإخوة أنهم أقوياء وهم في الحقيقة ضعفاء ، ورداء السلطة لن يخلق من القزم عملاقًا بحال من الأحوال .

إنني لم أكن غافلًا عن هذه الحركة اللعينة التي دارت في البلد خلال الأسبوعين أو الثلاثة التي مضت ، لم أكن غافلًا عن هذا . وكنت أرى وأسمع وأتألم لهبوط الخلق وللحطة الدنيئة التي تُصور لكثير من الناس في ظروف شاذة غير طبيعية أنهم يستطيعون أن يلونوا الأمور كما يشاءون . لهؤلاء أقول: هذا غلط .

في الأونة الأخيرة جرى خلط كثير ومتعمد وتشويه للحقائق ومحاولة مبيتة لأحداث بلبلة لا ضرورة إليها ، ولا تدعو إليها إلا سخائم النفوس وأحقاد الصدور . بصراحة فأنا أحب أن أقول لهؤلاء الإخوة: إنكم لم تفاجئوني بشيء ، يوم كان أكبركم سنًا ملفوفًا في القماط على ذراعي أمه ، كنت أنا في هذا الطريق ، ويوم كان المتوسطون منكم نطفة في علم الله ، كنت أنا في هذا الطريق ، وشاء الله العظيم أن يزيل الغشاوة وأن يذهب العيب وأن يرد العقل العازب بظرف طارئ فكشفت الحقيقة التي ظللت منذ ذلك التاريخ وإلى الآن أرددها بصورة مستمرة: إنني ليس فقط أرتاب وأتهم كل أولئك الذين يروّجون لهذه الدعوات الجديدة التي تضغط على عقول الناس وعلى مشاعر الناس ، لا ، الأمر عندي ليس موضوع ريبة ، ولا موضوع اتهام ، إنني أدين وأجرّم هؤلاء الناس ، ولمن شاء من هؤلاء الإخوة ممن بقيت عنده بقية من حس وإدراك ووفاء ولو بعض الشيء لهذه الأمة حاضرًا ومستقبلًا أن يرجع إلى محاضر جلسات المجلس التأسيسي في هذا القطر لعام 1958 ، ليرى ماذا قيل وماذا كان يدبر لهذا الدين .

وهذه المحاضر منشورة في الجريدة الرسمية ، تفقأ عيون الصبية والأوغاد والأوباش الذي يظنون أن رداء السلطة يمكن أن يُحلّهم من كل مسوؤلية ، لا ، أنتم واهمون يا إخوة نحن هنا في هذا البلد وفي ريفه وقراه ، اذكروا أننا نعيش حياة منسجمة لا طوائف ولا نزعات ولا شيء من هذا القبيل فلا تعكروا حياة الناس ، واذكروا أيضًا أننا أبناء بلد واحد ، كل واحد منا يعرف الآخر ، ويمينًا محسوبًا علي إن شاء الله لئن صدرت إساءة لألحقن صاحبها ولو تعلق في الثريا ، ولأطاردنه في أركان الأرض الأربعة ، لا ، إنني لا أقبل العبث ولا أقبل أن تختلط الأمور ولا أقبل أن تشوه الحقائق .

كما لا أقبل في نفس الوقت أن يُروّج لهذه الأمور الخطرة موظف سارق ومرتشي محمي بالسلطة ، وإنسان سكير يشرب الخمر مساء الخميس ويحضر الجمعة ظهر الجمعة ، وإنسان ساقط يأتي مطرودًا لحادث أخلاقي من محافظة أخرى إلى هذا البلد ، لا أقبل هذه الأمور من هؤلاء الناس ، أنا أعرفهم وأمنحهم الفرصة لكي يراجعوا أنفسهم ، ووالله لئن لم يراجعوا أنفسهم ويتوبوا إلى الله كما قلت لأطاردنهم في أي مكان ، ولأفضحهن فضيحة يستحون معها أن يظهروا أمام الناس . كفى كفى ، نحن لا نقبل أن يمد أحد لسانه على الإسلام ، ولئن فعل أحد لأقطعن لسانه قطعًا . أنا أدري منذ أكثر من شهر كيف كانت عناصر ساقطة منحطة رديئة تحرّض صبية من فلول الشيوعين في هذا البلد لتنثر الشكوك حول الإسلام ، أدري بذلك ، وأنا أدري أن أناسًا يلقوننا بالبسمات ، يدبرون للإسلام المكائد ، من كان منهم يظن أنه سينجو بلا عقوبة فهو واهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت