قلت وأكرر: إن رداء السلطة لا يحمي أحدًا ، إن الذي يحمي الإنسان خلقه وشرفه ودينه ، وأولًا وآخرًا نحن أبناء بلد واحد ، كل منا يعرف الآخر ، وكل منا يضع الآخر في حجمه وفي مقداره ، وليرجع هؤلاء ، ليرجعوا عناصر تافهة ، ولا يحاولوا أن يتعدوا طورهم ، إنهم بذلك يفقدون أرضهم ويتعرضون للعقوبة ، والدنيا دول والأيام ثارات ، وأخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي يعاقب فيه هؤلاء عقوبة قطاع الطرق ، فتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . إننا يا أحباب ندافع عن قضية لا ندّخر من أجلها وسعًا ، ولا نخشى في سبيلها إلا الله ، ويقينًا أنا أعرف ماذا يُراد ، وأن أعرف مرامي ومآلات هذا الكلام الذي يتردد في الخفاء ، والذي يتسرب على موائد السكر والعربدة ، وعلى موائد الفجور والمجون ، أعرف ذلك . يراد أن يقال أن فلانًا الذي هو أنا يتحدث بلسان جماعة ما ، ويراد أن يقال أن ظرفًا طارئًا حصل في المنطقة ساعد على نمو التيار الإسلامي . والأمران وهم ، فأنا أكبر من أن أتحدث بلسان أحد ، وأنا على الأقل عند نفسي أكبر من أن يحتويني أحد ، ولم يحدث بتاتًا أي ظرف جديد أدى إلى نمو التيار الإسلامي ، لأن هذا البلد مسلم ، وليس عندنا غير مسلم حتى هم للأسف الشديد ، وإنما أمنحهم فرصة لأنني أتصور بأنهم مغلوبون بالشهوة والتغرير ، حتى هم مسلمون . فهذا البلد مسلم ، رضي هؤلاء الناس أم كرهوا ، غضبوا أم رضوا ، ذلك لن يغيّر من الحقيقة شيئًا وهو أننا في بلد مسلم . وإذا كان يخطر في بال أحد من الناس أنه سوف يأتي اليوم الذي أخضع فيه للتهديد وأخضع فيه لهذه المحاولات فهذا خطأ ، ليطمئن هؤلاء ، لأنني أتمتع برأس أمتن من الصخر ، فلا يمكن أن يستفزّني هؤلاء الناس لأسقط في بؤرة الخوف ، بتاتًا .
إنني أعلم أن كلامي يضايقهم ، لأنه منطق ، ولأنه حجة وعقل ، وهم لا منطق ولا حجة ولا عقل ، وأنهم يتمنون بجدع الأنف أن أسكت ، وبالله أقسم جاهدًا أنني لو وجدت من يقوم هذا المقام ويقف هذا الموقف ما عنيّت نفسي ، لا جبنًا ولا خوفًا ، ولا دفاعًا عن شيء ، لأنه ليس لدي شيء أدافع عنه ، ولكن يشهد الله ، ولا تزعلوا ، لأنني مللت صحبتكم ، لأنني أدعو الله في الليل والنهار أن يريحني منكم ، وأن يريحكم مني ، إنني أعرف أنني أجدف ضد التيار وهذا ليس بحزن ، وأعرف أنني أتحدث إليكم من الجانب الثاني للجبل ، فأنتم لا تسمعون إلا همهمة ودمدمة لا تكادون تتبيّنونها ، وأعرف مدى السقوط التي تورطت به أمتي وشعبي وأهلي ، وأعرف أن عشرات السنين لا بد أن تمر قبل أن يتراجع الناس شيئًا فشيئًا ، إنني أعرف وتعرفون أن الحجر حينما يرمى من عالٍ يظل يهوي بقوة هذا الاندفاع لا يقفه شيء إلا أن يرتطم في الأرض ، وأن أمتنا منذ زمن بعيد غاية البعد سقطت بين براثن التخلف والانحطاط ، ومنذ زمن بعيد جدًا فإن المعركة على الساحة الإسلامية مستعرة ، وبالتحديد أقول: منذ غصب معاوية بن أبي سفيان الخلافة وافتأت على إرادة الأمة ، ثم لم يكتفِ بهذا بل أحالها ملكًا عضوضًا ، وأبرز واقعة اجتماعية على الساحة الإسلامية هو هذا الصراع الذي يستعلن حينًا ويستمر حينًا بين الإسلام الخالص المنقى المبرأ من الشوائب وبين رغبات السلطة ، ذلك مفهوم منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم والمحاولات تبذل من أجل تطويع الإسلام ، ومن أجل احتواء الإسلام ، ولربما وُجد بين الآن والآن ضعيف الإيمان ومهترء شخصية وقابل للاستئجار يرضى بأن يتحدث بلسان الطغاة ، ولكن الأمة تعرفه وهو يعرف نفسه ، والذين استأجروه من أسياده يعرفونه تافهًا لا يصلح لشيء ، لأنه لو كان يصلح لشيء لصلح لنفسه ، وقد سفه نفسه وباعها منذ أن رضي أن يحني رأسه لهم .