فهرس الكتاب

الصفحة 18285 من 27345

رئيسي:أخطاء ومخالفات:الأحد 23 شوال 1425هـ - 5 ديسمبر 2004 م

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد،،،

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيْ أَخِي أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالا فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَدَلُّوهُ عَلَى السُّوقِ فَذَهَبَ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَرَبِحَ فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ [ وفي رواية: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ -أي: داوم الذّهاب إلى السوق للتجارة- ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ [ أي أثر ] زَعْفَرَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَهْيَمْ] - أي ما شأنك- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ: [مَا أَصْدَقْتَهَا] قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: [أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ] قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً . رواه البخاري وأحمد-واللفظ له-.

في هذا الحديث:

1-اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقريره على ذلك.

2-وأن الكسب من التجارة ونحوها أولى من الكسب من الهبة ونحوها .

3-وترجيح الاكتساب بنفسه بتجارة أو صناعة.

4-وفيه مباشرة الكبار التجارة بأنفسهم مع وجود من يكفيهم ذلك من وكيل وغيره .

عدد من المسلمين المخلصين إذا نظروا في أمر الإسلام والدين، ثم التفتوا إلى أمر دنياهم وأعمالهم ووظائفهم، وتجارتهم، ودراستهم؛ وجدوا تناقضًا، وأحسّوا بالإثم، ورأوا تعارضًا بين ما هم فيه من أمور الدنيا، وبين القرآن والسنة .

وهذا الشّعور: قد يكون نتيجة لتصوّر خاطئ، وقد يكون نتيجة لممارسة خاطئة، وعمل محرّم، فالذين يعملون في المحرّمات: وظيفة، وتجارة، ودراسة؛ شعورهم بالتعارض حقيقي وصحيح، ويجب أن يحصل؛ لأنّهم يعملون في مجال محرّم مناف للدين، وتصير أمور دنياهم مخالفة لأحكام دينهم، فيجب على هؤلاء ترك المحرّمات التي هم فيها واقعون .

ومن المسلمين من يشعر بالتعارض؛ لأنّه غلّب جانب الدنيا على جانب الدّين في الاهتمام والعمل، فغبن نفسه، وفوّت عليها حسنات كثيرة لو حصّلها؛ لارتفع عند الله في الآخرة .

ومن المسلمين من يرون التعارض لخطأ في التصوّر لقضية طريق الدنيا وطريق الدين، فهؤلاء ينبغي أن يُبصروا ويفقهوا؛ ليزول اللبس، فلا يتعذّبون، ويعملون وهم في راحة.

زعم خاطيء: ويصرّ البعض على زعم أنّ العبادة تتعارض مع الاكتساب والعمل في الصناعة، والتجارة، والزراعة، وأنّ من أراد الآخرة، فلا بدّ أن يطلّق الدنيا طلاقًا باتّا حتى يَصْلُح قلبه، وأنّ الصحابة لم يفتحوا البلدان إلا بعد أن تركوا الدنيا، وتفرّغوا تمامًا للجهاد .

وهذا الكلام فيه تعسّف ومنافاة لمصلحة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، وبعيد عن الحكمة والعقل السليم والواقع، وهو مغاير قبل ذلك كله لحال الصّحابة رضي الله عنهم، ولتبيّن الموقف سننظر فيما جاءت به الشريعة من الأحكام في العمل الدنيوي والكسب أولًا ، وكيف طبّق الصحابة ذلك في حياتهم ثانيًا.

أولًا: حكم الشريعة في العمل الدنيوي:

قال الله تعالى:وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [77] } [ سورة القصص] .

وقوله: { وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن والمناكح؛ فإن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، فآت كل ذي حق حقه.

وقال الحسن وقتادة:' معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك'. فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه .

قال ابن العربي:وأبدع ما فيه عندي قول قتادة:ولا تنس نصيبك الحلال ، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت