الشيخ محمد عبد الكريم*
تقديم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده، ثم أمّا بعد:
فإن ثلث مقدسات المسلمين ـ المسجد الأقصى ـ قضيته قضية كل مسلم، واجب على أهل العلم أن يبيِّنوا للناس تاريخه، وأن يذكّروا بفضائله، وأن يجلّوا في أذهان العامة أنها مسألة دين وعقيدة، لا مجرد أرض وسياسة، وثمرة هذا كله جواب على سؤال كثيرًا ماطرحه المخلصون: كيف السبيل إلى استرداد الأقصى؟ وأن يصير إلى حكم الإسلام وأهله؟
هذه القضايا أجاب عنها هذا الكتاب الفذ الذي استفرغ فيه أخونا أبو عبدالله الشيخ محمد ابن عبدالكريم جهده ووسعه، وأودعه ثمرة بحثه واجتهاده. قرأته كلمة كلمة فألفيته نافعًا مفيدًا، أسأل الله أن يجزي كاتبه خيرًا وأن يوفقه لمزيد إنتاج وتوثيق، وبالله تعالى التوفيق، صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
كتبه:
أبوعمر عبدالحي يوسف
السادس من ربيع الأول/1422
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالخلق جميع مصنوعاته، سبحانه وبحمده، عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، والصلاة والسلام على محمدٍ عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه, أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين, وحجةً على الخلائق أجمعين. وبعد.
فإن للمسجد الأقصى المبارك في نفوس المسلمين أهميةً خاصةً ومكانةً عظيمةً، يُكنّون له الودّ الشديد, والحب العميق, وما ذلك إلا لتفضيل الله إياه، فيما خلق الله، ثم اصطفاه واجتباه (وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة) [1] , والله جلّ وعلا طيّب؛ لا يختار من موجوداته تفضيلًا وتشريفًا إلا ما كان شريفًا طيبًا مباركًا. خلق السموات سبعًا فاختار منها أعلاها فجعلها مستقرًا لملائكته المكرّمين. ومحطًًّا لأرواح عباده الأبرار المقربين، واختصها بالقرب من كرسيّه ومن عرشه، (فتبارك الله أحسن الخالقين) [2] , وخلق الملائكة فاصطفى منهم رسلًا وسادةً، كجبريل وميكائيل وإسرافيل, وخلق من الماء بَشَرًا, فجعله نسبًا وصهرًا, فاختار منهم نبيين مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا جمًا غفيرًا, ثم اصطفى منهم رسلًا مبشّرين ومنذرين حجة منه عليهم وعدلًا, وخصّ منهم خمسةً من أولى العزم منّةً منه عليهم وفضلًا, ثم اجتبى من خيار الخيار عاقِبهم وخاتمهم الآخر السابق الذي أمّهم جميعًا بمسجد الأقصى ليلة الإسراء, صلى الله عليه وعلى سائر إخوانه الأنبياء الأصفياء.
ومن ذلكم كذلك اختيار الله تعالى البقاع المباركة الثلاثة من سائر مناحي الأرض التي دحاها. كما قال عزّ وجلّ مُقْسِمًا بها: (والتين والزيتون. وطور سينين. وهذا البلد الأمين) [3] ؛ لأنها استنارت بنزول أعظم المنح السماوية, وتباركت بتنزُّل أفضل الكتب الإلهية.
ومن لطف الله تعالى بعباده, ورحمته السابغة وجُودِه أنْ خصّ لنا من المساجد والأمكنة الأماجد ماتضاعف فيه الحسنات, وتكفّر بالخطا إليه السيئات، ومسجدنا الأقصى المبارك من تلكم الأصقاع, تشد إليه الرحال، وتضاعف فيه الأعمال, وتحط في ساحته الأوزار، ولكن! أوّاه.. أوّاه..!! على المسجد المسلوب, مسرى النبي صلى الله عليه وسلم المغصوب, حُرِمنا من وصاله والسفر إليه لمناجاة الله العظيم وعبادته في فنائه. حيل بيننا وبينه ووُتِرنا نحن - هذا الجيل - باليهود وإذنابهم فمنعونا خيره. أواه.. أواه..!! المسجد الأقصى, كَلْمٌ غائرٌ نازفٌ في قلوبنا, فراقه غصةٌ نتجرعها في حلوقنا, ودمعه تجري في عيوننا.
اليهود اليوم مع أمريكا يثيرون نقعًا وغبارًا هنا وهناك، يوارون به سوأتهم القادمة من زعم هدم المسجد الأقصى، وبناء هيكلهم المزعوم فوق ترابه، ودويلات العرب مشغولة باللهو واللعب، مهمومة بالمنافسات الكروية، والأولومبيات الرياضية العاليمة:
ولكن.. هيهات.. هيهات خاب ظن اليهود، وطاش فألهم، فإن الله جعل الجولة الأخيرة للمؤمنين اتباع المسجد الأقصى من الموحدين، وليس لليهود وأمريكا وأشياعها (ولتعلمن نبأه بعد حين) .
ولكأني بطائفة الحق قد قامت مستندة إلى ولاية الله وحمايته ورعايته، وأعداؤهم مستندون إلى ولاية الشيطان وغوايته، يقفون على أرض صلبة، آوين ظهورهم إلى ركن شديد، واثقين بدفع الله عنهم، فهم يخوضون معركة لله ليس لأنفسهم ولا لقومهم أو جنس لهم فيه نصيب، يقاتلون اليهود تحت راية واضحة سوية غير جاهلية عمية، في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، وتحكيم منهجه وشرعته السنية، أرضاءًا له سبحانه، وقيامًا بواجب الأمر والنهي والجهاد، وثأرًا للحرمات والأعراض، فمن بقي منهم حيًا فحياة عزة وكرامة، ومن فاز بشهادة نال جنات الخلد وزيادة.