فهرس الكتاب

الصفحة 19026 من 27345

السؤال:

دخل معى شخص برأس المال في مشروع تجاري ، و أعطانى المال على أساس الشراكة ، وقال لي: إنّ المشروع في حال نجاحه أو فشله فسيكون لي ، و بالفعل بدأت الإعداد للعمل ، و حدث خلاف بيننا فلمّح لي بأنّه يريد ماله فهل له الحق في ذلك ؟

أم أن هذا المال يعتبر هبةً ؟ مع العلم أنَّه لم يكن بيننا شهودٌ و لا عقود مكتوبة و لا موثّقة يمكن الرجوع إليها عند الخلاف .

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

هناك تناقض واضحٌ في صياغة هذا السؤال ، حيث قال السائل في البدايةِ: إنّه أخذ المال على أساس الشراكة ، ثمّ قال لاحقًا: إنّ شريكه أخبره أنّ المشروع سيكون في حال فشله أو نجاحه ملكًا للسائل ، و عليه فلا يمكن إعطاء حكمٍ فصلٍ في المسألة لعدم ضبط السؤال .

و لكن يحسُنُ بنا توضيح الحكم في كلتي الصورتين على حدةٍ تعميمًا للفائدة ، فنقول و بالله التوفيق:

إذا كان المال قد دُفِع بنيّة الشراكة ، بحيث يساهم أحد الشريكين بماله ، و الآخَر بجهده و كدّه فهذا عقدٌ صحيح ، و هو عقد مضاربةٍ ، فإن ربحت الشركة فالربح يُقسَم بينهما على ما اتّفقا عليه عند العقد ، و إن خسرت بغير تفريط من المضارب فالخسارة كلّها على رأس المال ، و ليس على المضارب بجهده منها شيء .

و إن لم يكونا قد حددا نسبة الأرباح لكلّ منهما رُجِع في تحديد ذلك إلى عُرف الناس ، و ما جَرت عليه عاداتهم في مثل هذه الحال ، لأنّ القاعدة الفقهيّة تقول: ( العادة مُحكَّمةٌ ) .

أمّا قول السائل: إنّه لا يوجد بينهما اتفاقيّات أو عقود مكتوبة ، فالكتابة ليست شرطًا في صحّة العقد ، و ما دام الشريكان قد اتّفقا على شيءٍ لزمهما شرعًا الوفاء و الالتزام به ، و إن لم يكُن مكتوبًا أو مسجّلًا عند الجهات الرسميّة ، لما رواه البخاري معلّقًا و أبو داود و الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ » ، و القاعدة الفقهيّة تقول: ( المشروط عُرفًا كالمشروط شرطًا ) .

و الذي يَظهَر لي أنّ قول أحد الشريكين للآخَر: المشروع لك إن رَبح و إن خَسر ، قولٌ مُبهَم يحتاج إلى تفصيل ليُعرَف مراد قائله منه ، فقد يكون أراد تمليك شريكه المال فعلًا ، و أجراهُ مجرى الهبة ، و قد يكون مُرادُه مجرّد تشجيع صاحبه على العَمَل ، فلا بُدّ من استبيان قصده قبل الحُكم عليه .

فإن كان أراد جعله هبةً لشريكه ، فلا يصح له الرجوع في هبته ، لما رواه الشيخان و غيرهما عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال: ( إن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ) .

و إن كان مراده مجرّد تشجيع صاحبه و حثّه على العمل ، فالمال ماله ، و له الحقّ في فسخ الشرِكة و استرداده متى شاء .

هذا و الله أعلم و أحكم ، و لو رَجَع السائل و شريكه إلى القضاء الشرعي في بلَدهما لفضّ النزاع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت