المعتقلات الأمريكية بين زخرف الدعاية ووحشيَّة التعذيب !
د.عدنان علي رضا النحوي
ما حدث ويحدث في المعتقلات الأمريكية في أفغانستان والعراق ومعتقل غوانتنامو، ومعتقلاتها السرية في عدد من الدول الغربية ، وما يحدث في المعتقلات اليهودية وغيرها من المعتقلات المنتشرة في عدد من البلاد ، لم يعد أمرًا خافيًا على أحد . فقد تناقلت وسائل الإعلام المحلية والدوليّة أخبار هذه الفضائح بالصور والحديث ، والشرح والتعليق . وأصدرت منظمة هيومان وتش في تقريرها السنوي السادس عشر الأخير تنديدًا جديدًا تضاف إلى تلك التنديدات والاحتجاجات التي ظهرت إبَّان ما حدث في سجون العراق وخاصة سجن أبو غريب ، و ما أسمته المنظمة بـ ''النفاق'' في الخطاب الأميركي . باعتبار أن رسالة واشنطن للعالم هي"طبقوا ما أدعو إليه وليس ما أقوم به". (1)
إن ما يحدث في هذه المعتقلات و مهما قيل عنها فإنَّ الصدمة تظلّ كبيرة شديدة ، يقف الإنسان أمامها ليتساءل أين الشعارات ؟! أين شعارات حقوق الإنسان، رعاية الطفولة ، أعياد الأم ، الحريّة ، العدالة ، المساواة ، الديمقراطية ، الإنسانيّة التي تغنَّى بها بعض كتَّابنا ، الإنسانيّة التي استبدلوها بأُخوّة الإسلام ، حقّ المرأة ، وعدّد من الشعارات ما تشاء ، ثمَّ قم وابحث عنها في الأرض كلّها ، في الغرب كلّه ، في الشرق ، في الشمال ، في الجنوب ، في بطون التاريخ ، تاريخ كلّ شعار ، فإنَّك لن تجد الحريّة الصادقة والعدالة الأمينة ، والمساواة المنصفة ، والإنسانيّة ، إلا حيث طُبَّق الإسلام ، حيث طُبّق شرع الله .
خارج دائرة الإسلام ، لن تقوم الإنسانيّة إلا في زخرف الشعارات التي تظهر وتغيب . وما عرفت البشريّة صدق هذه الشعارات إلا في أمّة الإسلام .
وكيف تتوقع العدالة الأمينة في أجواء جنون القوّة الظاهرة ، والكبر المتسلّط ، والغرور القاتل ، والعصبيّات الجاهليّة .
ولقد أثبتت التحقيقات أنَّ ممارسة هذه الألوان المتوحشة من التعذيب في المعتقلات المختلفة وخاصة الأمريكية منها تتمّ بتعليمات رسمية من أعلى المستويات في الدولة .
وأمام هذه الأحداث لا بدَّ أن تثور بعض الأسئلة ، وتلحّ على كثير من الناس .
أولًا: حملة رسالة الديمقراطية في العالم نشروا شعاراتها وزخارفها ، وخُدِعَ بها الكثيرون . ولكنّهم كلّهم يريدون الديمقراطية وحرّيتها وعدالتها وإنسانيتها في ميدان التطبيق ! فأين التطبيق ؟! هل ما نراه في العراق أم في فلسطين ، أم في أفغانستان ؟ أم في فيتنام سابقًا ، وبنما ، وأمريكا اللاتينية ، أم في حرب داخليّة لإبادة الشعب الأصلي ، الهنود الحمر ، أم ما نراه في السياسة الدولية واختلال الموازين ، وكثرة الحروب والضحايا والفتن ؟!
ثانيًا: هل الكذب والخداع جزء رئيس من الديمقراطية ، تمتدّ أصولها إلى"ميكافيلي"ومبدئه الإجرامي"الغاية تُسَوِّغ الوسيلة"! لقد ادّعت هذه الدول وعلى رأسها أمريكا نشر الديمقراطية والعدالة كما قيل حين غزو العراق ، حيث ادّعت أنها ستقدّم للشعب العراقي الحريّة والعدالة بعد ديكتاتورية صدام ـ فأعطته القتل والتدمير ، والعطش ، وانقطاع الماء والكهرباء ، والاعتقالات في سجون كثيرة ، ووحشية التعذيب واغتصاب النساء ، وإثارة الفتن ، وكان خلاصة ذلك كلّه تدمير العراق ثروة وشعبًا وطاقات وعلماء وقدرات ! أين الديمقراطية ؟!
ثالثًا: هذه النفوس المجرمة والقلوب القاسية التي تأمر بهذا التعذيب الوحشيّ الإجراميّ ، والأيادي التي تنفّذ ذلك وتستمتع بالتنفيذ ، هؤلاء هم وحوش في صورة بشر ، كيف تشكَّلت هذه النفسية الوحشية فيهم ، وما هو النظام الاجتماعي الذي رعى هذه النفوس ، وما هي التربية ونظرياتُها التي غَرسَتْ الوحشيّة والإجرام في نفوسهم جيلًا بعد جيل في مناطق مختلفة من العالم ؟! وأصبح منا من يدعو إلى نظريات التربية الأمريكية في مؤلفاته وحواراته على الفضائيات .
إنَّ الله سبحانه وتعالى خلق عباده كلّهم على الفطرة السليمة ليوفوا بعهد وأمانة وخلافة وعمارة إيمانيّة في الأرض:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصَّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسّون فيها من جدعاء )
[ رواه الشيخان وأبو داود ]
فما الذي بدَّل الفطرة السليمة إلا أن يكون أبواه ، ثمَّ المجتمع ونظامُه ، والنظام التربوي ونظرياته المعتمدة .
كيف يمكن أن تستقيم فطرة الإنسان على ما فطره الله عليه ، إذا عُزلت عن ربّها وخالقها ، وإذا غَرِقتْ في أوحال الأهواء المتفجَّرة بالجنس والمال ، والصراع على الدنيا ، وتنافُس السُّمعة ؟! كيف تستقيم الفطرة وكلُّ ما يتعهّدها في البيت والمجتمع والمدرسة أهواءٌ صارخة . فلنستمع إلى ما يقوله نيكسون عن ثمرة التربية في أمريكا: