وهذه المعاني العظيمة للحمد لا يتفطن لها العبدُ إلا إذا تفكَّرَ في نِعَمِ اللهِ التي أسبَغَها عليه؛ وما أكثرَها وأغزرَها في حياتِه كلِّها! وقارنَ بينَها وبين عطياتِ الخلقِ! ولله دَرُّ الرازي ما أحْسَنَ قولَه:"اعلَمْ أنَّ تربيتَه تعالى لخلقِه مُخالِفةٌ لتربيةِ غيرِه، وبيانُه مِن وجوهٍ: الأول: أنه تعالى يُربِّي عبيدَه لا لغرضِ نفسِه؛ بل لغرضِهم، وغيرُه يربُّون لغرضِ أنفسِهم؛ لا لغرضِ غيرِهم. الثاني: أنَّ غيرَه إذا ربَّى فبقدرِ تلك التربيةِ يظهرُ النقصانُ في خزائنِه وفي مالِه وهو تعالى مُتعالٍ عن النقصانِ والضرر، كما تعالى: (وإنْ مِن شيءٍ إلا عندَنا خَزائنُه وما نُنَزِّلُه إلا بِقَدَرٍ مَعلُوم) . الثالث: أنَّ غيرَه من المحسنين إذا ألَحَّ الفقيرُ عليه أبغضَه وحرَمَه ومنَعَه؛ والحقُّ تعالى بخلافِ ذلك، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الله تعالى يحب الملحِّين في الدعاء) . الرابع: أنَّ غيرَه من المحسنين ما لم يُطلَبْ منه الإحسانُ لم يُعطِ؛ أما الحقُّ تعالى فإنه يُعطي قبلَ السؤال؛ ألا ترى أنَّه ربَّاك حالَ ما كنتَ جنينًا في رَحِمِ الأمِّ وحالَ ما كنتَ جاهِلًا غيرَ عاقلٍ، لا تُحْسِن أن تسألَ منه ووقاك وأحسنَ إليك مع أنك ما سألتَه وما كان لك عقلٌ ولا هدايةٌ. الخامس: أنَّ غيرَه مِن المحسنين ينقطعُ إحسانُه إما بسببِ الفقرِ أو الغَيبةِ أو الموت؛ والحقُّ تعالى لا يَنقطعُ إحسانُه البتة. سادسًا: أنَّ غيرَه مِن المحسنين يختصُّ إحسانُه بقومٍ دون قومٍ، ولا يُمكِنُه التعميم؛ أما الحقُّ تعالى فقد وَصَلَ تَربيتَه وإحسانَه إلى الكُلِّ، كما قال: (ورَحْمَتي وَسِعَتْ كلَّ شيء) ؛ فثبت أنه تعالى ربُّ العالمين، ومُحْسِنٌ إلى الخلائقِ أجمعين؛ فلهذا قال تعالى في حقِّ نفسِه: (الحمد لله ربِّ العالمين) ". [16]
فمَن تدبَّرَ هذه المعانِيَ العقديةَ للشُّكر؛ أدركَ"مدى عَظمةِ الدَّوْرِ الذي قامَت به هذه العقيدةُ وتقومُ في تحريرِ الضميرِ البشري وإعْتاقِه وإطْلاقِه مِن عناءِ التخبُّطِ بين شتَّى الأرْبابِ وشتَّى الأوْهامِ والأساطِيرِ! وإنَّ جَمالَ هذه العقيدةِ وكمالَها وتناسُقَها وبَساطةَ الحقيقةِ الكبيرةِ التي تُمثِّلُها. كلُّ هذا لا يَتجلَّى للقلبِ والعقلِ كما يَتجلَّى مِنْ مُراجعةِ رُكامِ الجاهليةِ مِن العقائدِ والتصوُّراتِ والأساطيرِ والفلسفاتِ! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم. عندئذ تبدو العقيدةُ الإسلامية رحمةً، رحمةً حقيقيةً للقلبِ والعقلِ، رحمة بما فيها مِن جَمالٍ وبساطةٍ ووُضوحٍ وتناسُقٍ وقُرْبٍ وأُنْسٍ وتَجاوُبٍ مع الفِطرةِ مُباشِرٍ عَميقٍ". [17]
ورحم الله القحطاني ما أروعَ قولَه في الشكر:
[1] أخرجه مسلم.
[2] مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 1/3.
[3] تيسير الكريم الرحمن ص 39.
[4] أضواء البيان للشنقيطي 1/5.
[5] في ظلال القرآن 1/22.
[6] كما قال في الصوم: (الصوم لي؛ وأنا أجزي به) ! وقال في الصبر: (إنما يُوفَّى الصابرون أجرَهم بغيرِ حساب) !
[7] في ظلال القرآن لسيد قطب 1/22.
[8] أسرار ترتيب القرآن للسيوطي رحمه الله.
[9] التحرير والتنوير لابن عاشور 1/133-134.
[10] التحرير والتنوير 1/154.
[11] التفسير الكبير 1/235.
[12] تيسير الكريم الرحمن ص 39.
[13] التحرير والتنوير 1/152-153.
[14] في ظلال القرآن لسيد قطب 1/22-23.
[15] تيسير الكريم الرحمن ص 39.
[16] التفسير الكبير 1/234-235.
[17] في ظلال القرآن 1/23-24.
[18] نونية القحطاني ص12-14.