فهرس الكتاب

الصفحة 10686 من 27345

ولا ريبَ أنَّ شُكرَ العبدِ ربَّه دليلٌ على وَعْيِه منه بنعمةِ الله عليه ولُطفِه به ورِعايَتِه له، كما قال الرازي رحمه الله:"الذي يُحْمَدُ ويُمْدَح في الدنيا؛ إنما يكون كذلك لِوُجوهٍ أربعةٍ: إما لكونِه كامِلًا في ذاتِه وفي صِفاتِه مُنَزَّهًا عن جميعِ النقائصِ والآفاتِ، وإنْ لم يكنْ منه إحْسانٌ إليك، وإما لِكَونِه مُحْسِنًا إليك ومُنْعِمًا عليك، وإما لأنك تَرْجُو وُصُولَ إحْسانِه إليك في المستقبَل مِن الزمان، وإما لأجْلِ أنك تكونُ خائفًا مِن قَهرِه وقُدرتِه وكمالِ سَطوتِه؛ فهذه الحالاتُ هي الجِهاتُ الموجبةُ للتعظيم؛ فكأنه سبحانه وتعالى يقول: إنْ كنتم ممن تُعظِّمون الكمالَ الذاتيَّ؛ فاحمدوني فإني إلهُ العالمين، وهو المرادُ مِن قولِه: (الحمد لله) ، وإنْ كُنتم ممن تُعظِّمُون للإحسانِ؛ فإنِّي (رب العالمين) ، وإنْ كنتُم تُعظِّمون للطمَعِ في المستقبَل؛ فأنا (الرحمن الرحيم) ، وإن كنتم تُعظِّمون للخوفِ؛ فأنا (مالك يومِ الدين) ". [11]

ومَن تدبَّرَ فقهَ الحمدِ والشكرِ والثناءِ على الله عزَّ وجلَّ بما هو أهلُه؛ أدرَكَ أنَّ حَمْدَ اللهِ تعالى يُزِيلُ غَبَشَ الاعتقاد الناتج عن التعلُّقِ بالمخلوقين؛ لأن الحمدَ اعترافٌ برُبُوبِيةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ وشهادةٌ بأنه (ربُّ العالَمِين) ، وتأكِيدٌ بأنه جلَّ جلالُه خالِقُ العِبادِ ورازِقُهم؛ ذلك أنَّ"الرَّب: هو المُربِّي جميعَ العالَمِين، وهم مَن سِوى اللهِ بِخَلْقِه لهم, وإعْدادِه لهم الآلاتِ, وإنعامِهِ عليهم بالنِّعَمِ العظيمة, التي لو فَقَدُوها لم يُمْكِن لهم البقاء, فما بهم مِن نعمةٍ فمنه تعالى". [12] ولذلك فـ"إنَّ الذي لَقَّنَ أهلَ القرآنِ ما فيه جِماعُ طرائقِ الرُّشْدِ بوجهٍ لا يُحِيطُ به غيرُ علامِ الغُيوب؛ لم يُهْمِلْ إرشادَهم إلى التحلِّي بزينةِ الفضائلِ، وهي أنْ يَقْدِرُوا النِّعمةَ حَقَّ قَدْرِها بِشُكْرِ المنعِم بها؛ فأراهم كيف يُتوِّجُون مُناجاتِهم بِحَمدِ واهِبِ العَقلِ ومانِحِ التوفيقِ؛ ولذلك كان افتِتاحُ كلِّ كلامٍ مُهِمٍّ بالتحميدِ سُنةَ الكتابِ المجيدِ". [13]

ورَحِمَ الله صاحبَ الظلالِ حيث قال:"الرُّبوبيةُ المُطلَقة هي مَفْرِقُ الطريقِ بين وُضوحِ التوحيدِ الكامِلِ الشامِلِ، والغَبَشِ الذي يَنشَأ مِن عدمِ وُضوحِ هذه الحقيقةِ بصورتِها القاطعة. وكثيرًا ما كان الناسُ يجمعون بين الاعترافِ بالله بِوَصْفِهِ الْمُوجِد الواحِد للكونِ، والاعتقادِ بتعدُّدِ الأربابِ الذين يَتحكَّمُون في الحياة! ولقد يَبْدُو هذا غريبًا مُضْحِكًا، ولكنه كان وما يزال. ولقد حَكَى لنا القرآنُ الكريمُ عن جماعةٍ من المشركين كانوا يقولُون عن أربابِهم المتفرِّقة: )ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفَى)، كما قال عن جماعةٍ من أهلِ الكتاب: (اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ الله(. وكانت عقائدُ الجاهلياتِ السائدةِ في الأرضِ كلِّها يومَ جاءَ الإسلامُ تَعُجُّ بالأربابِ المختلفة؛ بوصفِها أربابًا صِغارًا تقومُ إلى جانبِ كبيرِ الآلهةِ كما يزعُمون! فإطلاقُ الرُّبُوبيةِ في هذه السورةِ وشمولُ هذه الربوبيةِ للعالمين جميعًا: هي مَفرِقُ الطريقِ بين النظامِ والفَوْضَى في العقيدة؛ لتتَّجِهَ العَوالِمُ كلُّها إلى ربٍّ واحدٍ تُقِرُّ له بالسيادةِ المُطلَقة... ثم ليطمئن ضميرُ هذه العوالمِ إلى رِعايةِ اللهِ الدائمةِ ورُبُوبيَّتِه القائمة، وإلى أنَّ هذه الرِّعايةَ لا تنقطِعُ أبدًا ولا تفترُ ولا تَغيب". [14]

والشُّكرُ يَشتمِلُ على اعتِرافِ العَبدِ بآثارِِ نِعَمِ اللهِ عليه، وامتِنانِه بتوفيقِ الله له وفَضلِه في توجيهِه وإرشادِه؛ وكلما ازْدادَ العَبدُ إدْرَاكًا لِمِقدارِ فَضلِ الله عليه؛ ازْدادَ عِلمًا وحَمدًا؛ لاسيما إذا كان من أولياءِ الله المتنعمين بمعيةِ اللهِ وتوفيقِه وعنايتِه، كما قال السعدي رحمه الله:"تربيتُه تعالى لِخَلقِه نوعان: عامةٌ وخاصةٌ. فالعامة: هي خَلقُه للمخلوقين ورِزقُهم وهِدايتُهم لما فيه مَصالِحُهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيتُه لأوليائه؛ فيربِّيهم بالإيمانِ ويُوفِّقُهم له ويُكمِّلُه لهم, ويدفعُ عنهم الصوارفَ والعوائقَ الحائلةَ بينَهم وبَينَه. وحقيقتُها: تربيةُ التوفيقِ لكلِّ خيرٍ, والعِصمةِ مِن كلِّ شَرٍّ؛ ولعلَّ هذا المعنَى هو السِّرُّ في كَوْنِ أكثرِ أدعيةِ الأنبياءِ بلفظِ (الربِّ) ؛ فإنَّ مَطالِبَهم كلَّها داخِلةٌ تحت رُبوبِيَّتِه الخاصَّة. فدلَّ قولُه: (ربّ العالمين) على انفِرادِه بالخلقِ والْمُلكِ والتدبِيرِ والنِّعَمِ, وكَمالِ غِناه, وتَمامِ فَقرِ العالَمِين إليه بِكلِّ وَجْهٍ واعْتِبارٍ". [15]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت