ـ 1 ـ
أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
هو عبد الرحمن بن أحمد بن عطية يقال: أصله من واسط ، وداراني نسبة إلى داريا في غوطة دمشق ـ وهي نسبة على غير القياس ـ وقد عاش فيها وكانت وفاته فيها أيضًا وذلك سنة 235 هـ وقبره معروف هناك . روى عن الربيع بن صبيح من أهل العراق، وروى عنه صاحبه أحمد بن أبي الحواري والقاسم الجوعي وغيرهما .
كان رحمه الله يجمع ـ إلى العلم والمعرفة ـ زهادة في الدنيا ، ودأبًا على العبادة ، ونفاذًا في كل ما يؤدي إلى حسن العاقبة ، وفهمًا في دين الله أعانه عليه صفاء القلب وصدق الوجهة والتزام ما كان عليه السابقون الأولون ممن نهلوا من نور النبوة .. وأخذوا أنفسهم بالصالح من القول والعمل حتى كانت راحتهم بالكلال في سبيل الله .. ولذتهم في الرضا بما عند الله .
وسليمان ولده كان من العباد الزهاد أيضًا مات رحمه الله بعد أبيه بسنتين وشهر في سنة 237 هـ قال أحد أصحاب أبي سليمان: اجتمعت أنا وأبو سليمان الداراني ومضينا في المسجد فتذاكرنا الشهوات: وأن من أصابها عوقب ، ومن تركها أثيب ، قال: وسليمان بن أبي سليمان ساكت ، ثم قال لنا ، لقد أكثرتم منذ العشية ذكر الشهوات ، أما أنا: فأزعم أن من لم يكن في قلبه من الآخرة ما يشغله عن الشهوات لم يغن عنه تركها .
الحق أن الرجل تجاوز بنا ظواهر الأمور إلى بواعثها وتلك هي النظرة الفاحصة الدقيقة . الأمر أولًا ـ أن يكون في القلب من الآخرة ما يشغله عن الشهوات ؛ ذلك أن لذة الأنس بأمور الآخرة عند أولئك الربانيين تتقاصر أمامها كل شهوة من شهوات الدنيا ... فأين الشهوة الفانية التي كثيرًا ما تعقب المقت والضيق من تلك الحلاوة التي يتذوقها قلب المؤمن .. والمهم أن أولئك البررة من عباد الرحمن يكونون بإيمانهم بالغيب على مثل الجبال الرواسي فكل ما أخبر الله ورسوله عنه من النعيم المقيم في الآخرة .. وما يدخره الله لعباده ـ إن هم استقاموا على الطريقة ـ هو عندهم وكأنه من عالم الشهود مائل للعيان .
وندع سليمان أجزل الله مثوبته لنعيش ـ ولو لحظات ـ مع أبي سليمان الذي لا تكفي للحديث عنه صفحة أو صفحات .. ها هم أهل الطاعة يفوزون ـ في نظر صالح بن عبد الجليل كما يروي أبو سليمان ـ بلذة العيش في الدنيا بما ينعمون به من الرضا والطمأنينة .. ولذة العيش في الآخرة حيث يجدون ما وعدهم ربهم حقًا . قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: سمعت صالح بن عبد الجليل يقول: ذهب المطيعون لله بلذيذ العيش في الدنيا والآخرة يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: رضيتم بي بدلًا من خلقي ، وآثرتموني على شهواتكم في الدنيا ، فعندي اليوم فباشروها ، فلكم اليوم عندي تحياتي وكرامتي ، فبي فافرحوا ، وبقربي فتنعموا ، فوعزتي وجلالي ما خلقت الجنات إلا من أجلكم .
وانظر إلى أبي سليمان يرسم لطلاب الآخرة طريق السلوك فيقول ـ كما روى عنه أحمد بن أبي الحواري ـ:
(من أحسن في نهاره كفي في ليله ، ومن أحسن في ليله كفي في نهاره ، ومن صدق في ترك شهوة كفي مؤنتها ، وكان الله أكرم من أن يعذب قلبًا بشهوة تركت له) .
وما هذا اليقين الذي استراح له أبو سليمان وكان من نعم الله العظمى عليه ... حتى بات لا يزحزحه عن الحق شيء .. ولا يعرف الشك إلى قلبه سبيلًا !! إنه ثمرة من ثمار متابعة الطريق التي سلكها أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام . قال رحمه الله:
(لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي) قال ابن أبي حوراي: كان قلبه في هذا مثل قلب أبي بكر الصديق يوم الردة .
وفي قاعدة نورانية يحدد بها أبو سليمان حقيقة القناعة والورع يقول:
(القناعة أول الرضا والورع أول الزهد) .
وفي خاتمة المطاف: أرجو أن يكون لنا مع أبي سليمان لحظات أخرى نعيشها مع توجيهاته وضياء سلوكه ؛ ولله الحمد رب العالمين .
ـ 2 ـ
عجبًا لأمر هؤلاء البررة الذين وقفوا على الأصيل من المورد يستقون من عذبه الفرات ... وعلى هدي النبي يستضيئون بنوره في شعاب الحياة ... ذلكم هو ميراث النبوة الذي من عشا إلى ضوئه فاز بسعادة الدارين ... وتفجرت الحكمة من قلبه على لسانه ... ومن أعرض عنه قسا قلبه ... واستبدت به مخازي الشيطان ...
وأبو سليمان الداراني ـ زاده الله من عفوه وإحسانه في الآخرين ـ واحد من أولئك الصفوة الذين ألهموا الحكمة بما رشفوا من رحيق ذلك الميراث النوراني فطلعوا علينا بما يصلنا دائمًا بأدب النبوة ... وثمرات الرسالة في قلب المؤمن ، حيث ينعكس ذلك نورًا وضياءً على أقواله وأفعاله وكدحه إلى ربه في هذه المرحلة التي لابد منتهية إلى لقاء الله عز وجل .
هذا أبو سليمان تصفو نفسه .. وتصفو.. حتى تملك عليه مراقبة مولاه كل مجامع تلك النفس ... لقد سأله رجل عن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل .. فبكى وقال: