فهرس الكتاب

الصفحة 25588 من 27345

نفحات رمضان ونسمات القَدْر وبركات البيت.. ولكن!

بقلم: د. توفيق الواعي

يأتي رمضان الذي يتعشقه العُباد، ويترقبه بغاة الخير، فينزل بردًا على القلوب وسلامًا على النفوس وهدوءًا على الضمائر، وسعادة للروح، وبهجة للحياة، يستقبله الناس بالأفراح والأهازيج، والأذكار والتراتيل بعفوية فيها جلال الإيمان وعمق العادة وطبيعة الخير، وسجية المؤمن.

يأتي رمضان، فيذكر المسلم بزيادة الأجر ومضاعفة الثواب، وشرف الأيام والليالي، وينبه إلى فضل الله وعطائه العميم، ومنحه ورزقه الكريم، لينهل ويتزود ويتضلع من الخير والزاد والبركة. يأتي رمضان، يظلله القرآن وترفرف عليه الهداية، وتعلوه نسائم المغفرة وأجواء التوبة، فينهل منه الجميع: العالم النحرير، بما يوحيه القرآن ويعلمه التنزيل، ويمليه الفرقان، والعاصي بما يناله من مغفرة للذنوب، وتوبة من الخطايا ورجوع إلى الطريق المستقيم.

كما يأتي رمضان بذكريات الخير وبشريات النصر والفتح، فتطل علينا"بدر"بعظمتها وعظمة رجالها، وفتح مكة بهالتها وبطولاتها وخضوعها واستسلامها، وهتافها: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) (الإسراء) . هذه الأجواء العظيمة يجب أن تنتج العظماء، وهذه الروحانيات الكبيرة ينبغي أن تهيئ النفوس الكبار، ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فرمضان بروحانياته ودفعاته الإيمانية لم يستطيع كثير من المؤمنين بأثقالهم وأوزارهم الاستفادة منها أو الارتفاع إلى مستواه، فمن الناس من أحاطت به ظروف جعلت عبء الحياة عليه شديد الوطأة فناء تحت كلكلها، ومنهم من أحاطت به أحمال جعلته يحمل عبء سواه، فهو في كفاح دائم ونضال مستمر وعمل لا ينقطع، وكذلك الأمم في حياتها تتقلب بها الحادثات وتنتابها عوامل الاجتماع، فهي أحيانًا وادعة مستسلمة، وأحيانًا كادحة مجاهدة، وإنما يحمل عبء الجهاد فيها أصحاب الدعوات الخالصة والمبادئ السليمة، ورجال الإصلاح والعزائم، الذين آمنوا بوجوب العمل، واعتقدوا ضرورة الحاجة إلى إيقاظ هؤلاء النفر اللاهين والنائمين من أبناء الأمة. ودعاة الحق والإصلاح وأصحاب النفوس الكبيرة لابد أن يجاهدوا ولابد أن يعرفوا أن الكفاح قدرهم فيستعدوا لكفاح طويل لا نهاية له، فإن حاجات الأمم أطول من أعمارها مهما طالت، وعليهم ألا يقصروا أو ينوا في أداء المهمة العظيمة التي كان من حظهم أن يحملوا عبئها ويُنتدبوا للقيام بها.

وهم إذا فعلوا ذلك فقد أعد الله لهم أعظم الأجر لقاء جهدهم الدائب، وهم إذا حرموا أنفسهم لذائذ الدنيا الفانية في حياتهم القصيرة، فقد أعد الله لهم في خلد جنته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإن سمت أنفسهم عن الزائل وجاهدوا في الله حق جهاده، رأوا في لذة العمل الصالح وفي سعادة النجاح وسادة المجتمع ثواب عملهم وجهادهم في الدنيا قبل الآخرة، وفي الحياة الفانية قبل الباقية ولن يضيع الله ذلك الأجر، بل سيضاعفه. وشتان بين ثواب الله ورضاه، وبين ما يفنى ويزول، بين لذة الحياة الدنيا، ولذة الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل 38 (التوبة) "ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (رواه البخاري) .

فإذا أبوا إلا القعود واستسلموا للضعف، وسلموا الراية وخانوا الأمانة، فهناك العذاب الأليم والجزاء الوفاق في الدنيا قبل الآخرة.

ولن يدع الله إن شاء الله الراية بغير حَمَلة، ولن يترك إسلامه ودعوته بغير أنصار، بل يديل الله منهم ويستبدل قومًا غيرهم، ويكون إثم المقصرين القاعدين الذين كرهوا العمل وسئموا الكفاح على أنفسهم، والضرر حائق بهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله (فاطر:43) .

وعلى المجاهدين أن يعلموا أن شرف العمل عظيم وفضله كبير من حيث اختارهم الله لحمل الأمانة ونصرة دعوته، ولو لم يكن من الثواب إلا هذا التكريم لكان فيه الكفاية والغناء، فإن الله لا يختار لهذا الشرف إلا من أحبهم، وماذا يرجو مؤمن بعد، أن يكون لربه حبيبًا ومن رسوله قريبًا، فيشكر الله على هذه المنة، ولا يرى لنفسه فضلًا في شيء؟ بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين 17 (الحجرات:17) .

وبعد: فهل هناك اليوم عذر لقاعد عن العمل للإسلام أو أمته، أو متقاعس عن الدفاع عن بيضته، أو مفرط في دينه وعقيدته؟ بعد هذه الحوادث الجسام التي تعيشها الأمة وتكاد تستأصل شأفتها وتمحو عزتها! إنه لمن المفروض والمؤكد على كل مؤمن اليوم أن يضع نفسه تحت تصرف أمته، دفاعًا على عقيدته التي آمن بها، يذود عنها ويعمل لها، ويجاهد في سبيلها بنفسه وماله، ولا عذر لأحد في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت