الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ?يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [ النساء:1] . ?يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [آل عمران:102] . ? يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [الأحزاب:71] .
أيها المؤمنون في توديع عام واستقبال عام تتزاحم الذكريات والعبر، وتتجلى في النفس اللوامة الحقائق والصور، حين تنظر إلى الماضي وتستشرف المستقبل.
أيها الناس: اتقوا الله تعالى وانظروا وتدبروا في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة، وكل يوم يمر بكم، فإنه يبعدكم من الدنيا ويقربكم من الآخرة، فطوبى لعبد اغتنم فرصة العمر الذي يقربه من ربه وخالقه في فعل الطاعات والقربات واجتناب المعاصي والآثام.
طوبى لعبد اتعظ بما في الأيام والليالي من تقلبات الأمور والأحوال، طوبى لعبد استدل بتقلبها على أيام لله فيها من الحكم البالغة والأسرار واستدل بتلك الأحداث والأحوال على محدثها ومقلبها ومصرفها ? يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ? [النور:44] .
أيها المسلمون: ألم تروا إلى هذه الشمس كيف تطلع كل يوم من مشرقها وتغيب في مغربها. وفي ذلك أعظم العظمة والاعتبار، فإن طلوعها ثم غيابها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار ، وإنما هي ظهور ثم اختفاء وزوال ، ألم تروا إلى الشهور كيف تهل علينا يبدوا فيها الهلال صغيرًا ثم ينموا رويدًا رويدًا، حتى إذا تكامل نموه، أخذ بالنقص والاضمحلال ، وهكذا عمر الإنسان سواء ، فاعتبروا يا أولي الأبصار: إذا تم شيء بدا نقصه .. ترقب زوالًا إذا قيل تم .
ألم تروا إلى هذه السنين والأعوام كيف تنتهي وتتجدد فإذا دخل عام جديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد، ثم تمر به الأيام سراعًا فينصرم العام كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد وينظر إلى الموت نظر الشاك المريب يؤمل الإنسان بطول العمر، ويتسلى بالأماني، فإذا بحبل الأمل قد انصرم وإذا بالموت قد هجم عليه ونزل وتحقق ما أخبر الله به ? وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ? [ق:19] .
أيها المسلمون لقد ودعنا عامًا مضى وارتحل عنا بما فيه واستقبلنا عامًا جديدًا فليحاسب كل منا نفسه ماذا قدم في العام الماضي؟ وبماذا سيستقبل العام الجديد؟ لنتدارك ما فات من الزلل والتقصير بالتوبة والاستغفار ولنعزم في بقية أعمارنا على الإيمان الصادق والعمل الصالح والإنابة إلى الله فإننا في زمن الإمكان، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا بقوله:"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"
أيها المؤمنون يحتفل بعض الناس في بداية العام الهجري الجديد ويقيمون الخطب والمناسبات واكتفوا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالخفيف من المظاهر والرسوم ولا شك أن سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما فيها من مواقف ووقائع جديرة بكل تدبر وتأمل يزيد في الإيمان ويزكي الخلق ويقوم السلوك.
إن الحب الصادق للرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يستدعي عزمًا صادقًا في الاستمساك بالأصول والحقائق التي جاء بها من عند الله والعض عليها بالنواجذ. إن الحب رخيصًا حين يكون زعمًا وكلامًا ولكنه غال حين يكون عملًا وجهادًا وإقدامًا ? قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ? [آل عمران:31 ] .
أيها المؤمنون إن هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم معلم بارز في سيرته المباركة المليئة بالعظات والدروس والعبر.