فهرس الكتاب

الصفحة 17602 من 27345

رئيسي:المنهج:الأحد 9 محرم 1425هـ - 29 فبراير 2004م

لا شك أن لنصوص الكتاب والسنة المنزلة العظيمة اللائقة بهما، كما أن لفهم تلك النصوص الأسلوب الملائم لحصول المقصود منها، وسأورد بعضًا من الضوابط التي يتعين تذكرها إزاء النصوص الشرعية عند تلقيها وفهمها .

1-التسليم والتعظيم: للنصوص الشرعية، والتحاكم إليها وتقديمها على غيرها، كما يجب تعظيم نصوص الوحيين وإجلالها وتوقيرها .

إن التسليم يعني خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لأعمال الجوارح، وصفة التسليم للنصوص الشرعية من أهم صفات أهل الإيمان:وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى... [22] } [سورة لقمان] .

وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - أثناء حديثه عن السلف الصالح - 'وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقولة، ولا قياسه، ولا وجده . فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم' [الفتاوى 13/28] .

ويوضح -رحمه الله- أهمية هذا الأمر، فيقول: 'جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال والرشاد والغي، وطريق السعادة والنجاة، وطريق الشقاوة والهلاك ؛ أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل' [ الفتاوى13/135، 136] .

ومبنى العبودية، والإيمان بالله، وكتبه، ورسله على التسليم، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت نبيها، وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، أو نهاها عنه، أو بلّغها عن ربها، بل انقادت، وسلمت، وأذعنت . ولقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على التسليم لله وآياته، وإجلال النصوص الشرعية وتعظيمها، ولقد خرج على أصحابه وهم يقولون: ألم يقل الله كذا وكذا، يرد بعضهم على بعض، فَكَأَنَّمَا تَفَقَّأَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنْ الْغَضَبِ فَقَالَ: [لَهُمْ مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ بِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ] رواه أحمد وابن ماجة-وأصله عند مسلم-.

وقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في التسليم والإجلال للنصوص الشرعية:

فهذه امرأة تقدم على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وتسألها، فتقول:مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَقَالَتْ:'أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ' قُلْتُ لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ قَالَتْ:'كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ' رواه البخاري ومسلم .

ويحدث عمران بن حصين رضي الله عنه، فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ] فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوْ الْحِكْمَةِ أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ وَمِنْهُ ضَعْفٌ فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ وَقَالَ أَلَا أَرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعَارِضُ فِيهِ قَالَ فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ قَالَ فَأَعَادَ بُشَيْرٌ فَغَضِبَ عِمْرَانُ قَالَ فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ'- أي ليس ممن يتهم بنفاق، أو زندقة- رواه البخاري ومسلم.

وقد التزم سلف هذه الأمة هذا المنهج، واعتنوا أيما عناية بتحقيقه:

فها هو الأوزاعي يقول: 'من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم' .

وقال رجل للزهري: يا أبا بكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ] رواه البخاري ومسلم. وما أشبه هذا الحديث ؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه، فقال:'من الله عز وجل العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم'.

ولما ذكر ابن المبارك حديث: [ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ...] رواه البخاري ومسلم. فقال فيه قائل: ما هذا؟ على معنى الإنكار. فغضب ابن مبارك، وقال:' يمنعنا هؤلاء الأنان- كثيري الكلام والشكوى- أن نحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما جهلنا معنى حديث تركناه! لا بل نرويه كما سمعنا، ونلزم الجهل أنفسنا'.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت