لدى المسلم المعاصر
بقلم: أديب إبراهم الدباغ
لا أود أن اخدش حس التفاؤل والأمل في نفوسكم الكريمة، بحديثي عن غربة المسلم واغترابه الروحي في هذا العصر العصي الذي يبدو وكأنه مدسوس على الدنيا في حين غرة من أهلها. ليهدم بمعاوله كل منارات الهدى، ويطمس على كل ما يمكن للجنس البشري أن يسترشد به من معالم الحق والعدل والخير، فالتفاؤل والأمل هو ينبوع قوة المسلمين وسرّ استعصائهم على ضربات الزمن الوجيعة، وهو النور المسكوب من وجدان الغيب ليشرق بسنائه فوق ليالي اليأس والحزن والألم. لذا أبادر فأقول: إن اغتراب المسلم وغربته ليسا دليل ضعف دائما، وليسا دليل رغبة بالانكفاء والانفصام عن عالمه المحيط به، بل هما - في كثير من الأحيان - علامة على الصحة والقوة، وآية على الائتلاف الحميم بينه وبين إيمانه وعقيدته. فكلما زادت غربة المسلم، وعمق اغترابه، كان ذلك إشارة إلى حياة إيمانية سليمة، إن كانت اليوم مستعصية على الفهم بعض الشيء، إلا أنها توشك غدا أن تصبح الروح الذي يحيي موات الإنسان، ويوقظ قلبه وينير عقله.
والغربة في روح المسلم وعقله، إنما هي نتاج مصارعته للتمزق والانشطار بين الوجوب والنفي، بين وجوده الإيماني وعدمية هذا الوجود، بين سلبيات الدنيا ولاشيئيتها وإيجابيات الآخرة ويقين حقيقتها، وهي ثمرة ذلك القلق الممض بين أن يكون أو ألا يكون، وهو قلق يخصب الفكر، ويغني الوجود، ويفتح منافذ الخيال والوجدان على حقيقة الإنسان وهو قمين بنفوس المتميزين من رجال العقيدة والإيمان.
وتظل هذه الغربة هاجس المسلم الدائم، وقدره وقضاءه. يلازمه ولا ينفك عنه مادام حيا يتنفس أنفاس الحياة فوق أديم هذه الأرض... صحيح إنه يسكن الأرض ويدرج فوقها، إلا أنها ليست المحط الذي يمكن أن يحط عليها رحاله، ولا المكان الذي تنتهي إليه آماله، ولا الوطن الذي يملأ عليه خياله أو يحتوي عظمة روحه... هذا الروح الذي لا تزن الأرض كلها إلى جانبه اكبر من ذرة هباء غبية، تعجز عن فهم أشواقه، وتضيق عن استيعاب ما يضطرم به فؤاده من توق وحنين إلى العالم الأخروي... عالم المعرفة المطلق الذي تحيا فيه الحقائق خالصة من غير لبس ولا وهم...
إنه يمكن أن يملك الأرض، وان يعمرها، ويحكمها بالعدل، ويقيم فوقها شرع الله... غير أنها تبقى ملك يمينه يأخذها إلى الأقوم والأحسن والأفضل، بينما يظل قلبه مغلقا دونها، فلا يخلد إليها، ولا يطمئن لها، بل يحس بالوحشة والخوف منها، لأنها وطن الموت والفناء والعدم، ففي كيانه وفي كل ذرة من دمه نزوع إلى عالم هو الوجود كلها، ووطن هو الخلود كله وأرض هي الحياة كلها، لا يتهددها موت ولا يكتنفها زوال أو عدم... إنه ذلك العالم القدسي الذي أُبعدَ عنه أبوه آدم عليه السلام بسبب عصيانه المعروف... فالعصيان شر والشر موات وعدم، ومحال أن تستنبت بذرة الموت والعدم فوق أرض الحياة والوجود، لذا نزل بالأرض أم الموت والعدم، لأن شبيه الشيء منجذب إليه، فصارت الأرض دار غربته، ووطن وحشته، لا يسكن إليها ولا يطمئن بها، وقد أورث أبناءه من خاصية ذاته، مرارة الغربة، ولوعة الحنين إلى الموطن الأول، فذاكرة الإنسان الباطنة، وحافظة وجدانه تخفي في تلافيفها جذور ذلك الاغتراب الآدمي، وأصول ذلك النزوع إلى عالم الأب الأول.
ومما يثير الدهشة أن يغدو حرص آدم عليه السلام وزوجه على البقاء الدائم والخلود الأبدي - وهما في دار الخلود والبقاء - المنفذ الذي نفذ منه الشيطان إليهما بوسوسته: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) ( الأعراف:20) مما يدل على أن الآدمية مفطورة على هذا التوق، وأن في أصل خلقة كل آدمي نزوعا عارما إلى البقاء والخلود، ففعلت وسوسته معهما فعلها، ودفعت بهما إلى اقتراف المعصية بأكلهما منها ففقدا بذلك سر الخلود، وسلبا إكسير الحياة، الذي قال الله تعالى فيه (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ( العنكبوت:29) .
إن ما يعتلج في نفوسنا من توق إلى الخلود والبقاء، ونفور من الموت والعدم دليل على وجود البقاء والخلود خارج عالمنا - اكبر من كل دليل وأعظمه - لان الإنسان - كما هو معلوم - لا يشتاق إلى عدم لا وجود له، ولا يرتبط معه بسبب من الأسباب، فنحن نحسه في تجليه على أرواحنا بأنواره وأندائه في لحظات صفاء الروح وفي أوقات استضاءة القلب بنور الله لذا فسيظل القلق الحاد يعتور"النفس الإنسانية"ويؤرق وجودها بسبب ذلك الإحساس المبهم بالوحشة، والشعور الغامض بالاغتراب في هذا العالم، وهو حس عميق الغور في النفوس، لا يسهل الخلاص منه أو الانفكاك عنه، لأنه يشكل جانبا مهما من جوانب الوجدان البشري.