د.مسفر بن علي القحطاني 6/3/1427
بعد مرور أكثر من ستة أشهر على أزمة الرسوم المسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعدما انجلى الغبار عن هذه المحنة التي مسّت أعز مقدساتنا الإسلامية، وبعدما شهدت ساحتنا الفكرية والشعبية ردود فعل غاضبة على ما حدث من اعتداء .. أعتقد أنه آن الأوان لدراسة هذه الحالة التي أيقظت الأمة، وأحيت ضميرها المغيّب، وأشعلت جذوة الغيرة في الأنفس بعد صدمات الذلة والانكسار. ولابد عند تأمل هذه الظاهرة أن نفكر بعيدًا عن العواطف والانفعالات التي شهدتها مجتمعاتنا الإسلامية إبّان الأزمة.. وأحب أن أساهم في رصد هذه الحالة من خلال تأملات خاصة، هي رجع الصدى لأفكار منثورة على صفحة هذا المقال:
أولًا: عمق المشاركة الشعبية لنصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من كافة الفئات ومختلف الشرائح؛ إذ ضربت أروع الأمثلة في الحب والتضحية, مصداق ذلك ما شاهدناه من تحرك وعمل فاق في حجمه وأثره الدور المرتجى من النخب المثقفة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ وهي التي تمتلك ناصية الخروج على الفضائيات أو صفحات الجرائد والمجلات. وأظن أن تلك النخب مرت باختبار حقيقي كشف عن حجمها أو أثرها في أزمات الأمة وقضايا المجتمع الساخنة. فلا ننكر أن هناك من تماشى مع ردود الفعل الغاضبة، ونصّب نفسه إمامًا للمسلمين أو قاضيًا لمعاقبة المعتدين، وقد وُظِّفت تلك التصرفات عكس ما هدفت إليه نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم-, وهناك من كتم رأيه في حمّى الغضب الجماهيري مع قناعته بأن تلك التصرفات الغاضبة مِن قتل وإحراق وظلم في المقاطعة لغير المعنيين تصرفات خاطئة وغير مسؤولة، لكن خوفه من غضب الجمهور و معاكسة إرادة الحشود جعله يكتم النصح الحقيقي والنظرة المعتدلة والفقه اللازم في مثل هذه الظروف, كما برز أصحاب التثاقل والتوهين لمشاعر المسلمين والمتغيظين من هبّة الغيورين؛ وصدق الله العظيم في وصفه لحالة أولئك: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التوبة: من الآية47] .
إن النخب المثقفة وأصحاب الرأي في الأمة لا يجوز لهم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وترك الشعوب تمور من الغضب اللاواعي؛ مما أفقدنا كثيرًا من مكتسبات تلك الأزمة، وتوظيفها في مصالح الأمة.
ثانيًا: هذا التأزّم حرّك المجتمع العالمي إلى فريق النصرة والغضب دفاعًا عن مقدسات ومعتقدات أكثر من مليار مسلم, وإلى فريق المدافعة عن حرية الرأي وحق التعبير من غير شرط أو قيد. وأثار لدى الكثير من المراقبين والمحللين إمكانية العودة لنظرية الصدام الحضاري التي بشّر بها في الغرب هنغتون وفوكوياما. وتأجّجت مشاعر المسلمين في تحميل الغرب والشرق عداوتهم الأبدية للإسلام، وكانت معطيات الصراع الديني والحضاري متوفرة في ثنايا تلك الأزمة من خلال بعض التصريحات الغربية ومحاولة إعادة نشر الرسوم المسيئة. وأظن أن صيحات بعض الخطباء والمنادين بحرب الغرب قد طغت عن تفكيك الحالة الغربية وموقفها من احترام المقدسات الإسلامية. بل أغفلت أن هناك في أوروبا وحدها أكثر من خمسين مليون مسلم أكثرهم مواطنون في تلك الدول. ونسيت الهدف الأساس من وراء تأجيج هذه النزعة الصدامية, ولا أدري: هل كان المراد منها شن الحرب على أوروبا كما شنتها القاعدة على أمريكا التي مازلنا نتحمل تبعات تلك التشنجات المتطرفة؟! ثم أتساءل: هل الغرب كله يحمل هذا العداء السافر حتى نحمّل مئات الملايين من الشعوب، ومئات المؤسسات المعتدلة تبعات ما قامت به بعض الصحف أو القنوات الإعلامية المعادية أو سفاهة بعض المسؤولين و المثقفين الغربيّين؟! وهل من العدل أن نحاكم أمة كاملة بتصرفات سفهائها، ونحن نطالبهم بنظرة العدل والإنصاف، في حين لا ننظر إليهم بها كذلك؟! ثم هل نقدر فعلًا أننا نمارس عداوة أو قطيعة كاملة مع تلك الدول في عصر لا يمكن أن نتعايش إلا بالتبادل التجاري والتقني والتحالف السياسي والعسكري، وغيرها من المشتركات الحاجية بين الشعوب في ظل انفتاح الأسواق وتهاوي الحدود بين المجتمعات؟! ثم لماذا نحسن في إلقاء اللوم على المتآمرين ضدنا، وننسى أننا صنعنا صورتنا المشوّهة في أذهانهم من خلال تصرفات بعض أبنائنا هناك أو زوّارنا إليهم؟! هذه الأسئلة وغيرها لا يمكن أن نسارع في الإجابة عنها من خلال موقف عارض، أو واقع نجهل تفاصيله، أو غفلة عن إدراك المنطلقات الدافعة لهذه التصرفات والمآلات المترتبة عليها؟! والهروب من الإجابة عنها قد يكلفنا جهدًا يضيع أو يحملنا عبء تكرار الأخطاء.