فهرس الكتاب

الصفحة 14893 من 27345

السؤال:

أمر قائد مجموعة جهادية أحد المجاهدين بالتنكر في لباس قسيس و لبس الصليب و الدخول إلى كنيسةٍ في إحدى بلاد الكفر ، و الصلاة فيها بصلاة النصارى ؛ و ذلك ليقوم بإنقاذ حياة أحد المسلمين الأسرى ، و قد قام بتنفيذ الأوامر كاملةً ، و تم إنقاذ حياة المسلم .

السؤال: هذا المجاهد قد ارتكب عملًا كفريًا ( لِبسُ لِباس القسيس ، و تعليقُ الصليب ، و الصلاة النصرانية ) ، و هو يَعتَبِرُ ذلك عملًا كُفريًا ، و لم يفعله إلا لإنقاذ أخيه المسلم ، و لخداع من كان يريد قتله ، فما حُكمُ الشرع في هذا العمل ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

لا أعلَم فيما وقفتُ عليه من النصوص الشرعيّة ما يصلُح دليلًا على جواز التظاهر بالكفر ( قولًا أو عمَلًا ) لغير المُكرَه مع اطمئنان قلبه بالإيمان ، و هذا لا خلاف في جواز تظاهره بالكُفر لدلالة النص القطعيِّ على ذلك .

قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَ لَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ النحل: 106 ] .

قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: ( من كفر بالله من بعد إيمانه , إلا من أكره على الكفر ، فنطق بكلمة الكفر بلسانه ، و قلبُه مطمئن بالإيمان , موقِِِنٌ بحقيقته ، صحيح عليه عزمُه ، غير مفسوح الصدر بالكفر ; لكن من شرح بالكفر صدرًا ، فاختاره و آثره على الإيمان ، و باح به طائعا , فعليهم غضب من الله ، و لهم عذاب عظيم . و بنحو الذي قلنا في ذلك ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:( وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه , فعليه غضب من الله ، و له عذاب عظيم . فأما من أكره فتكلم به لسانه و خالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه , فلا حرج عليه , لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عُقِدَت عليه قلوبهم ) .

و روى ابن ماجة بإسناد صحيحٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ الْغِفَاريِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم: « إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَ النِّسْيَانَ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » .

و في رواية في سنن ابن ماجة أيضًا ، و سنن الدارقطني بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه و سلم قَالَ: « إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَ النِّسْيَانَ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » .

و ذكر جماعة من أهل التفسير ( منهم الطبري و القرطبي و ابن كثير و غيرهم ) في سبب نزول آية النحل أنَّها نزلت في عمّار بن ياسر رضي الله عنهما حينما نطقَ بالكفر مكرهًا ، ليُفلِت من فتك المشركين ، فلمّا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلَّم سأَلَ عمّار: ( كيف تجد قلبك ؟ ) قال: أجد قلبي مطمئنًا بالإيمان ، قال: ( فإن عادوا فعُد ) ، و في ذلك نزلت الآية .

و مع ذلك فإنَّ صبر المؤمن على الأذى ، حتى لو قُتِلَ صابرًا محتسبًا خيرٌ له ، و أحرى به من التلفُّظ بالكفر ظاهرًا ، و لو كان الإيمان في قلبه راسخًا .

أمّا إن كان المكرَهُ غيرَه ، أو كان تظاهُرُهُ بالكفر لإنقاذ غيره من الموت ـ على نحو الصورة المذكورة في السؤال ـ فليس في أدلّة الترخيص في التلفّظ بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان ما يدلّ عليه ، و قد أَبعَد النَجعة ، و بالَغَ في التعسّف في إعمال النصوص مَن رخّص فيه من المعاصرين ، و لعلّهم مستأنسون فيما ذهبوا إليه بمذهب ابن حزم الظاهري القائل ـ رحمه الله ـ: ( والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراها ، وعرف بالحس أنه إكراه ، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به ، و الوعيد بالضرب كذلك ، أو الوعيد بالسجن كذلك ، أو الوعيد بإفساد المال كذلك ، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مال ، لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يسلمه ) [ المحلى: 8 / 330 ] .

قلتُ: و لا وَجهَ لمن استدلّ على جواز التظاهر بالكفر لإنقاذ أسير مسلمٍ أو نحوه بالقياس على ما أخبر الله تعالى به في قصّة خليله إبراهيم عليه و على نبيّنا الصلاة و السلام حين قال عن الكوكب و القمر و الشمس ( هذا ربّي ) [ الأنعام: 76 و 77 و 78 ] لأنّ هذا شرع متقدّمٌ مخالفٌ لما جاءت به شريعة الله الخاتمة من ناحية ، و لأنّ قول خليل الرحمن ذلك ـ من ناحية أخرى ـ هو من قبيل التهكّم و التقريع ، و تنبيه الغافل و تذكير الناسي ببطلان ما عليه قومه من عبادة الأوثان ، و ليس من التظاهر بالكفر في شيء ، بدليل قوله عليه السلام في نهاية الحوار: ( يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكون ) [ الأنعام: 78 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت