فهرس الكتاب

الصفحة 3173 من 27345

احذروا الحاضر المقلد!

ناصح أمين المانسهري

في سن مبكرة يكون الطفل على استعداد لتقليد أبويه أو إخوته، وتقمص شخصيتهم، إذ إن الفترة التي يقضيها في هذه السن وسط أسرته تخوله فهم أشياء والقدرة على ترديد بعض الكلمات، مما يسهل عليه نطقها، كما يستطيع تقليد بعض حركات الكبار، وفي الغالب تبدو السنة الثالثة من عمر الطفل مناسبة للتقليد، وفهم بعض الكلمات، بل والتمييز بين الأشياء والمعانى، الأمر الذي يسهل على الطفل تقليد كل ما يراه مما يروق له أو يستحسنه، ولا بد له في هذا التقليد أن يكون ناقلًا بصدق ومقلدًا بانفعال.

ومن هنا تكون عملية التقليد مقيدة بما يراه ويسمعه، إن صدقًا أو كذبًا، إن خيرًا أو شرًا، فهو لا يملك قدرة الاختيار بين ما هو صدق، من أقوال الآخرين أو كذب، كما أنه لا يستطيع التمييز بين ما هو خير أو شر، بل يبدو منفعلًا بما يرى ويبصر. والأسرة كلها في هذه الحالة المبكرة لابد أن تلاحظ في طفلها هذا التطور وعليها بالتالي أن تحسن التعامل معه، بحيث لا تلقي إليه من التوجيهات إلا ما هو طيب، وألا تعمل معه أو بحضوره إلا الحسن من القول والسلوك، فهو وإن كان لا يدرك الحقيقة الكاملة لما يسمع او يبصر أو يفعل، إلا أنه شديد الحساسية والتأثر قوي الذاكرة والتسجيل لما يدور حوله.

ذاكرة الطفل تبدأ في التقبل والتسجيل مبكرًا، ولذلك يحثنا التوجيه النبوي الكريم على إسماع الوليد منذ يومه الأول صيغة الأذان بصوت رقيق، لتكون صيغة الشهادة هذه على رأس القائمة في شريط ذاكرة الطفل، ولتكون له حصنًا من الزيغ وخواطر الشر والضلال في أيامه المقبلة ووسط معترك الحياة العامة. إن ذاكرة الطفل تنمو وهي مستعدة كالشريط الفارغ لقبول ما ينقل إليه وحفظ ما يدس فيه، وقد يصاحب الصوت والصورة طعم أو رائحة، وكثير من الناس أدركوا بالتجربة أن كثيرًا من الأماكن والصور ارتبط في أذهانهم بروائح وطعوم محددة، ولعل المثل العربي السائر"الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر"خير دليل على ما سطرناه.

إذن، لا بد في السن المبكرة للطفل من تقدير واحتساب ما يقال أو يعرض لدى الأطفال باعتبارهم شركاء في الجلسات يقوون على فهم بعض ما يدور وإدراك ما يطرح من صور أو معانٍ.

إن عين الطفل تبصر الأشياء تمامًا كما يبصرها الكبار، وتسجلها كما يسجلها الكبار، غير أن الاختلاف يبدو في فهم معاني الصورة القريبة والبعيدة، فالطفل لا يملك قدرة الإدراك وسعة الإحاطة كما يملكها الكبار، لكنه يسجلها ويحتفظ بها مخزنة إلى وقت الحاجة حتى يعطيها أبعادها ومعانيها الخاصة.

إن رصيد الطفولة من الأصوات والصور والروائح يتراكم في الذاكرة، فالكلمات التي انتقشت في الصفحة النظيفة لن تتلاشى بسهولة، ولن تغادر الذاكرة بالسرعة المتوقعة، بل تتفاعل مع المستجد من الصور والمعاني وهي ترتقي وتتطور مع الأيام ومع حصيلة التعليم وازدياد الثقافة.

أطفالنا مرآة عاكسة لما نبديه نحن الكبار في حياتنا من أقوال وأفعال نشركهم بطريقة أو بأخرى في سماعها والتعامل معها، فالآباء يرون نتيجة هذه الشراكة وتأثير أقوالهم وأفعالهم في حياة أطفالهم، وقد يعجبهم هذا التأثر وهذا الانفعال فيبدون لأطفالهم مشاعر الإعجاب بهذه الكلمة التي حفظها الطفل واستطاع ترديدها بطريقة"طفلية"ولحن مميز يثير الضحك والسرور في نفوس السامعين!

والكل يعلم ما لدى الطفل من قدرة مبكرة على الانفعال بما يرى ويسمع، ومع ذلك يغفل كثير من الآباء والأمهات عن أهمية وضرورة تحديد ما يجب أن يسمع الطفل ويشهد.

إنهم يغفلون عن ضرورة حماية الطفل من الكلمة السيئة والفعل المشين، وينسون أهمية هذه الحماية في صناعة الطفل وتوجيهه تربويًا الوجهة السليمة الطيبة، متعذرين بأنه طفل وعندما يكبر سوف يعلم ويدرك الخير والشر، وأن أيام طفولته يجب أن يعيشها كما يجب وكيفما اتفق!!

هناك حدود مميزة توضح الصحيح من الخطأ، وتميز بين الخير والشر، بين ما هو مناسب ومقبول، وما هو غير مناسب ومرفوض، هذه الحدود والفواصل هي ما يجب أن يحرص الآباء والأمهات على توضيحه لأطفالهم لتنطبع في الذاكرة كفكرة، وتصاحب الفعل كعمل معروف غير منكر.=>

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت