فهرس الكتاب

الصفحة 24471 من 27345

من تجربتي أقول...!

د. سفر الحوالي 17/5/1424

سئلت مرّة عن الإرجاء والغلو، وأيهما أخطر على الإسلام؟ وقلت: كلاهما خطره عظيم؛ لكن الأخطر على شباب الصحوة المعاصرة هو الغلو؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حذر من الخوارج بتعيين صفاتهم وإيجاب قتالهم، وفضل من قام به في عشر روايات صحيحة، ولم يصح في الإرجاء حديث مرفوع، والسبب في ذلك أن الغلو تبديل للدين، أما الإرجاء فهو تفريط في الدين أو تسويغ للتقصير فيه؛ وهذا خطر على العامة، لكن كثيرًا من المسلمين لا يقبل أن يجعله هو الدين، وبعضهم لا يعتبر من ظهر عليهم التساهل والتفريط ممثلين لحقيقة الدين، وإن زعموا هم ذلك بناءً على تأويلات المرجئة، وذلك لاختلاط حالهم بحال الفساق والمتهاونين. أما المتشدد الغالي فإنه يكتسب عندهم منزلة التقديس، كما حدث لغلاة الزهاد والعباد؛ لأنهم يرون فيه تمسكًا أكثر وأخذًا للنفس بالعزيمة، والعامة عادة لا يميزون بين شدة التمسك بالحق وبين الغلو، فيقع الاشتباه، وينشأ عنه تبديل مفهوم حقيقة الدين، ومما يدل على ذلك أن النصوص جاءت ببيان أن أصل الانحراف البشري هو الغلو، سواء الغلو في الصالحين كما حدث لقوم نوح، أو الغلو في الزهد حتى يجعل الحلال حرامًا كما في الحديث القدسي:"وإني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم"، وهذا يصح أيضًا في مقام الجهاد والإنفاق وغيرهما من مقامات الدين؛ فإن الناس يظنون أن التهور شجاعة، وأن التبذير سخاء، وأن الرهبانية تبتُّل، كما أن مما يجعل الغلو هو الأخطر أنه يفضي إلى العنف واستحلال دماء المسلمين، ويعرقل الأمة عن الجهاد؛ بل يمزق صفوف المجاهدين منذ خروج الخوارج حتى اليوم.

إن الزخم الدعوي في هذه البلاد كبير وشامل، وظهور بعض الشذوذ أو الانحراف سببه قلة المربين والموجهين بالنسبة لكثرة المهتدين. لكن يظل التيار العريض على الجادة والتوسط بين الجفاء والغلو؛ فهو في الجملة على منهج الدليل لا على منهج التقليد.

من تجربتي أقول: إن كثيرًا من المشكلات لدى الشباب ليست مستعصية الحل؛ بل بعضها يمكن حله بالتعامل معها بأناة وهدوء والصبر عليها حتى تهدأ تلقائيًا، لديهم حماس عاطفي لا ينبغي مواجهته؛ بل ضبطه وتهذيبه. مجتمعنا في بعض جوانبه لم يتعود اختلاف الرأي؛ بل عاش أجيالًا تحت سلطة مركزية أحادية سياسيًا وعلميًا.

ومعلوم أنه كلما قلَّ حظ الإنسان من العلم والتجربة ضاق أُفُقُه، واشتد حرصه على الإنكار والاختلاف، سواء في المسائل العلمية أو المواقف العملية؛ ولذلك يجب على المربين الصبر على تربية الشباب على العلم، والتعقل مقتدين في ذلك بما كان عليه السلف الصالح من سعة الأفق وحرية الاجتهاد داخل المنهج المعصوم -منهج الوحي والدليل- فقد اختلفوا في مسائل كثيرة من غير تعصب ولا تباغض؛ وإذا كان في العالم الإسلامي أربعة أئمة متبوعون؛ فإن المدينة النبوية وحدها كان فيها في زمن التابعين سبعة فقهاء متبوعون، لم يكن أحد منهم مقلدًا لغيره، وإلا كانوا ستة. ومن ناحية أخرى يجب التحذير من الغلو فيما يسمى «الرمز» باسم احترام المشايخ أو تقدير ذوي السابقة فلا غلو ولا جفا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت