د. محمد عمر دولة*
الحمد لله الذي أذِن لبيوته في عالمِنا أن تُبنى وتُرفَعَ، ويسّر للنداء في مآذننا أن يُعلى ويُسمَع، ومكّن لكتابه أن يُتلى في جوانبها ويُذكَر، ومهّد لاسمِهِ في صلواتنا أن يُمجَّد ويُكبَّر، ووفّق للحق فيها أن يظفر ويظهر، وقدّر للباطل أن يُقهَرَ ويُدْحَر.
والصلاة والسلام على من اشتاقت المنابر إلى أنامله الشريفة أن تتلمّسها، وحنّ الجذع إلى أنفاسه العذبة أن يتنسّمها، وبكت النخلة (على ما كانت تسمع من الذكر عندها) . [1]
وبعد، فقد أثنى الله تبارك وتعالى على عُمّار بيوته، فقال جل جلاله: (في بيوتٍ أذن الله أن تُرفَعَ ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدوّ والآصال رجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلّب فيه القلوبُ والأبصار ليجزيَهم الله أحسنَ ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب) . [2]
ولعلّ المتأمّل في فقه عمارة المساجد في القرآن والسنة؛ يجد قواعد علميّةً، يمكن بيانَ بعضها في ما يلي:
إنّ القاعدة الأولى لعمارةِ المساجد: بناؤها وإعلاؤها
كما قال القرطبي رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: (في بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع) :" (تُرفع) قيل: معناه: تُبنى وتُعلى ـ قاله مجاهد وعكرمة ـ ومنه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعدَ من البيت) ، [3] وقال صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنّة) ، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرةٌ تحضّ على بنيان المساجد". [4]
القاعدة الثانية لعمارة المساجد: تعظيمها وتطهيرها وصونها عن النجاسات
كما قال الله عزّ وجل: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والرّكّع السجود) ، [5] وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى العلاقة بين عمارة المساجد وتطهيرها بقوله:"تطهير المساجد مأخوذٌ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى: (في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع...) ، ومن السنة من أحاديث كثيرةٍ من الأمر بتطهيرها وتطييبها، وغير ذلك من صيانتها من النجاسات وما أشبه ذلك". [6] ومن هذا الباب قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) . [7]
القاعدة الثالثة لعمارة المساجد: إخلاص النية لله
كما قال الله عز وجل: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المسلمين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفنّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا لمسجدٌ أُسِّس على التقوى من أوّل يومٍ أحق أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبّون أن يتطهّروا والله يحبّ المطّهّرين) . [8] قال الشيخ السعدي رحمه الله:"في هذه الآيات فوائد عدّةٌ، منها: أنّ اتخاذ المسجد الذي يُقصَد به الضرار لمسجدٍ آخر بقربه أنه محرَّمٌ، وأنه يجب هدم مسجد الضرار الذي اطلِع على مقصود أصحابه، ومنها: أنّ العمل وإن كان فاضلا تغيّره النيّة؛ فينقلب منهيًّا عنه، كما قَلَبَتْ نيّة أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى...". [9]
القاعدة الرابعة: غرس التقوى في قلوب المسلمين
فمن كياسة المؤمن الفطن أن يؤسّس عملَه كلَّه على التقوى وينأى به عن قرناء السّوء؛ فقد أراد قوم جريج ـ في حديث الثلاثة الذين تكلّموا في المهد [10] ـ أن يشاركوه في بناء الصومعة؛ ليكون لهم سلطةٌ على هذه المؤسّسة العِباديّة وقدرةٌ على هدمها من داخلها، وهو ما يعنيه قول الله عز وجل: (وأنّ المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا) ؛ [11] ورحم الله جُريجا فقد أدرك أنّ الصوامع لا تعمرها القلوب الفارغة؛ (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) . ولله درّه كيف حفظ أساسَ صومعتِه أن يُقوَّض، ومقصده العبادي أنْ يُحرَّف من قِبَل هؤلاء؛ لئلا يكون مع الذين (اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله) . وصنيع جُريج في رفضه إشراك الأيدي المتنجّسة في بناء أساس صومعته يذكّرنا بهدم النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار والنفاق كما جاء في القرآن (لا تقم فيه أبدًا لمسجدٌ أُسِّس على التقوى من أوّل يومٍ أحقُّ أن تقوم فيه فيه رجالٌ يُحبّون أن يتطهّروا والله يحبّ المُطَّهِّرين أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أمّن أسّس بنيانه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين) . [12]
القاعدة الخامسة: إحياء القلوب بالإيمان وإعمارها بالأخوة في الله