رئيسي:تزكية:الأربعاء 11 جمادى الأخرة 1425هـ - 28 يوليو 2004
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،أما بعد،،،
فلو ألقينا نظرة سريعة على مجالس المسلمين اليوم؛ لوجدنا أنها- وبكل صراحة- عبارة عن اشتغال بالدنيا وما فيها، فضلًا عن الاشتغال بالمحرمات، والآثام، وكبار الذنوب.
هذه المجالس من ضمن أسباب قسوة قلوب المسلمين، والله توعد الذين قست قلوبهم، فقال عز وجل:... فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... [22] } [سورة الزمر] . فويل كلمة تهديد وتوعد عظيمة؛ لذلك كان لابد للبحث عن أسباب قسوة القلوب؛ لعلاجها وإزالتها.
هل كان هذا حال مجالس الصحابة؟
هل كانت هذه الأشياء هي التي تشغل نفوس الصحابة ومجالس الصحابة، والسلف الصالح؟..كلا .
والمذموم والمحظور الذي نتكلم عنه هو أن يكون شغل الجالسين الشاغل من أول المجلس إلى نهايته هو الكلام عن الدنيا، هو الكلام عن هذه الأشياء لدرجة انك لا تسمع في هذه المجالس آية واحدة، ولا حديثًا واحدًا، ولا حتى كفارة المجلس، ولا ذكر لله بأي صورة من الصور.
أحوال المجالس الآن:
هذه الحالة الخطير التي نتكلم عنها الآن هي أن: الشغل الشاغل للناس في المجالس هو الدنيا، إن الكلام إذا كان مباحًا فالاشتغال بهذا المباح من أول المجلس إلى نهايته مذموم شرعًا، فكيف إذا كان الكلام في المجالس عن الأمور المحرمة شرعًا، والوقوع في كبائر الذنوب؟ كيف إذا كانت المجالس مجالس غيبة ونميمة ونهش أعراض الناس وأكل لحومهم. قال تعالى:...وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا... [12] } [سورة الحجرات] .
كيف إذا كانت المجالس مجالس كذب وبهتان وسخرية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يَعْضَهْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا] رواه الطيالسي في 'مسنده' [رقم580] . والعضه هو الكذب والبهتان والنميمة كما ذكر العلماء .
كيف.. إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس سخرية بعباد الله، وتنابز بالألقاب، والله يقول:...لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ... [11] } [سورة الحجرات] . ويقول:...ولا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ... [11] } [سورة الحجرات] .
كيف.. إذا كانت مجالسنا اليوم مليئة بالفسوق، والتعيير، والسباب والشتائم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ] رواه أحمد، حديث صحيح .
كيف.. إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس مدح ومجاملات، ونفاق ومداهنة، ورسول الله عليه الصلاة والسلام يصف مدح الرجل في وجه أخيه بأنه كقطع عنقه، وقال تعالى:...فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ... [32] } [سورة النجم] .
كيف.. إن كانت مجالسنا اليوم مجالس سخرية بالدين، واستهزاء بالمتمسكين به، وانتقاص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: في مظهرة و أخلاقه وآدابه .
كيف.. إذا كانت المجالس اليوم مجالس استهزاء بشريعة الإسلام، وأحكام الدين..أحدهم يقول في مجلس: تريدون أن ترجعوا بنا إلى شريعة العين بالعين والسن بالسن..تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا .
كيف.. إذا كانت مجالسنا فيها استهزاء بعباد الله بشتى الصور، فتجد رجلًا يقلد إنسانًا في صوته، أو عادة من عاداته، أو مشيته، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: [ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ] . يعني: لو أعطيت كذا وكذا من الدنيا لا أحكي حال إنسان، قال العلماء في شرحه: يعني لا أذكر إنسانًا أقلده بحركاته، وهيئاته على سبيل التنقص. وقصة هذا الحديث أن عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا-تَعْنِي قَصِيرَةً- فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ] رواه أبوداود والترمذي وأحمد. يعني خالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه؛ لشدة نتنها وقبحها، فكيف بالألفاظ اليوم التي تنطلق في مجالس المسلمين؟!
كيف.. إذا كانت مجالسنا فيها كثير من المحرمات والمخالفات للشريعة، فتجد مثلً:ا اثنان يتناجيان، وثالث موجود، وقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا] وعلل ذلك بقوله: [ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ] رواه البخاري ومسلم. وتجد اليوم المناجاة مرض واقع في مجالس المسلمين .
حتى في طريقة الآكل والشرب في المجالس مخالفات كثيرة: من الأكل والشرب باليسرى، إلى عدم التسمية.. إلى غير ذلك .