الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل
منزلة الصدق منزلة عظيمة ليس في دين الإسلام فقط بل في جميع الأديان، لا لأنه خُلق من الأخلاق الحميدة فحسب، بل لأنه أصل الإيمان المقبول عند الله - عز وجل -، وهو أساس النجاة من عذاب الله - عز وجل -، وبه يتميز أهل الإيمان الحق من المنافقين الكاذبين، يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -في منزلة الصدق: » وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم، الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين « إلى أن يقول: » فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين"."
ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف في فضل الصدق وخطورة أمره وعلو شأنه.
ولقد اخترت هذه الوقفات التربوية لخلق الصدق في ضوء القرآن الكريم لمعالجة هذا الموضوع الذي يهم كل مسلم بصفة عامة، ويهم الدعاة إلى الله - عز وجل - بصفة خاصة، لاسيما في واقعنا المعاصر، وتتجلى أهميته في الأمور التالية:
الأمر الأول:
لأنه أساس الإيمان، وركنه الركين، وأساس قبول الطاعات والقربات عند الله - عز وجل -، وعليه يترتب الأجر والثواب يوم القيامة، قال - تعالى: (( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ) ) (الأحزاب: من الآية24) ، وقال - تعالى: (( قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) ) (المائدة: من الآية119) ولأنه أساس الطاعات وجماعها، فقد أصبح الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق.
يقول الإمام ابن تيميه - رحمه الله تعالى: (الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها) ، ويظهر ذلك من وجوه منها:
أن الصدق هو المميز بين المؤمن والمنافق، ففي الصحيحين عن أنس عن النبي: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان ) ) [1] ، وفي حديث آخر: (( على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة ) ) [2] .
وقد وصف الله المنافقين في القرآن بالكذب في مواضع عدة ومعلوم أن المؤمنين هم أهل الجنة، وأن المنافقين هم أهل النار في الدرك الأسفل منها.
أن الصدق هو أصل البر، والكذب هو أصل الفجور، كما جاء في الصحيحين عن النبي: (( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ) ) [3] .
أن الصادق تنزل عليه الملائكة، والكاذب تنزل عليه الشياطين كما قال - تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) (الشعراء: 221، 222، 223)
الأمر الثاني:
أن الصدق في كل الأمور يوصل صاحبه إلى مرتبة (الصديقية) ، التي هي المرتبة التالية لمرتبة النبوة، وعندما أقول في كل الأمور أريد من ذلك عدم حصر الصدق في اللسان فقط، وإنما الصدق في النيات والأقوال والأعمال والأصل تحري الصدق في ذلك كله.
إن مجاهدة النفس على تحري الصدق في جميع الأمور يوصلها إلى هذه المرتبة العظيمة مرتبة الصديقية) كما جاء في الحديث السابق الذكر: (( ..ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقا ) ) [4] .
وهنيئًا لمن وصل إلى هذه المرتبة، فيا لها من رتبة، وما أشرف قدرها وأعظم فضلها، يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -في وصف أهل هذه الطبقة: (الطبقة الرابعة ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علمًا وعملًا ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية، ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء فقال - تعالى:(( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) ) (النساء: 69)
الأمر الثالث:
ثمرات الصدق العظيمة التي تحصل منه في الدنيا والآخرة من البركة والقبول والإصلاح في الدنيا، والأجر العظيم والثواب الجزيل في الآخرة وسيأتي تفصيل كل ذلك إن شاء الله - تعالى -في (ثمرات الصدق) .
الأمر الرابع: