فهرس الكتاب

الصفحة 15569 من 27345

سلمان العنزي 8/7/1427

الخوف داء الملوك والسوقة، ومرض الكبار والصغار، وبلاء النساء والرجال، ومحنة الأحرار والعبدان، وصيقل الشجعان، وحتف الجبناء.. لم ينجُ من وخزته ناجٍ، ولم يسلم من عركته إنسان، ولئن ذهبت تبحث وتلج في البحث عن أسباب كثير من التخلف في أساليب الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو التعليم لوجدت أن الخوف هو السبب الحقيقي في إفراز ذلك الفساد الكبير المتراكم على القلوب والعقول.

لماذا تكثر السجون في العالم وخاصة السياسية منها، وتستجد أدوات التعذيب وتُبتكر لتصل إلى مرحلة لا يمكن وصفها، ولا الإحاطة بقدرتها على تحقيق أهدافها، ويُستجلب أساتذة القسوة من بقاع الأرض ليفرضوا معاني الظلام على النفوس المضيئة، وتُفتح لهم المدارس والأكاديميات ليفرغوا فيها تجارب عمرهم البئيس، ويملؤوا رؤوس المتعلمين بحثالة أفكارهم الوحشية، ليبدؤوا من نقظة لا يأتي بعدها إلا ما يذهل النفس، ويربك العقل، ويقف بالتفكير جانبًا ليسمح للخيال بإكمال الوصف! والحق يُقال لم تلامس الفجاءة قلبي عندما قرأت ما كُتب في التعذيب من كتب، وما صدر من موسوعات؛ لأنني كنت أدرك معنى الخوف، وأعرف أبعاده، وأرى آثاره في الواقع المعاصر قبل أن أقرأ تاريخه فيما غبر من قرون!

ولماذا تكثر الدراسات الباردة لقضية إدارية لو سُلك بها سبيل الحق لكانت من مسائل الأطفال التي تنشط بها أذهانهم؟ ولماذا تكثر الاجتماعات لدراسة مشاريع قُتلت بحثًا، وأُتي بها من مكان بعيد بعد أن صُرف عليها مبالغ طائلة لتكون نبراسًا لواقعنا، وحلًا لمشاكلنا، وسبيلًا للخلاص ننفذ من خلاله إلى الجهة الأخرى حيث العالم الآخر المتحضر؟

ولماذا لا يُسلك سبيل الله في عالم الاقتصاد مكان الكم الهائل من النظريات المخترعة وفق ظروف زمنية ومكانية لا تتناسب وحياتنا وزماننا؟

ولماذا لا نعمل على إعمال سنة الله في المال على الأرض بعد أن تشرّبتها أنفسنا وعلمنا علمًا لا يخالطه شك أنها الأصلح للأفراد والجماعات، وأكّد هذا العلم دراسات جادّة قامت بها بعض المعاهد الغربية؟

ولماذا يزيف الحكام خطاباتهم، ويلبسونها حلي الشفقة والرحمة والعطف، ليتسوّروا محاريب القلوب الضعيفة المتهافتة على معسول الكلام، والعاجزة عن إداراك المعاني خلف ظلال الكلمات؟ ولماذا يرضى الشعب بهذه الكلمات، ويحوّلها إلى قوانين تنحت في قلوبهم، وتنطق بها ألسنتهم دون وعي، وهم يرون خلاف ما يسمعون؟

ولماذا هذا التلاعب الكبير بالحقائق عند مقارعة الدول بعضها بعضًا، وعند اشتداد حمى التنابز والاتهامات مع رؤية مصارع الآخرين؟

ولماذا التنازل الكبير عن التراث الفكري والعقائدي والأخلاقي في مقابل الوعود المعسولة بالسلامة؟

أسئلة كثيرة جدًا ولا جواب عليها يلمّ شملها، ويجلّي حقيقتها، ويظهر عجائبها غير هذه الكلمة بكل ما تحمله من مضامين خطيرة يدرك كنهها العارفون بها والقارئون التاريخ في أطواره كلها، إنها كلمة (الخوف) .

لقد قال المنفلوطي - عليه رحمة الله - في مقال له بأن الكذب هو أسّ الشرور وقاعدتها، ولو أنه أجال النظر وطوّح به في مسارح الحياة، ودقق الفهم وسبر التاريخ لعلم أن الخوف هو أسّ الشرور وقاعدتها، ويكفي أن نعلم أن صفة (الكذب) على ما فيها من فساد ماحق ليست إلا مجرد عرض لداء الخوف، وطيف من أطيافه المتفاوتة!

لولا الخوف من الموت ما رضي الإنسان بالدنية في دينه، والرزية في عقله، والخطل في رأيه، وما رضي بكفة الميزان الجائرة، والتقصير دون الغاية، والرضى بالقليل! ولولا الخوف من ذهاب الدنيا في صورة ملك أو مال أو جاه، ما كثرت الدسائس، وخربت الضمائر، وحُدّدت الأنياب، وحُشدت الأفكار الخبيثة، وامتلأت السجون! ولولا الخوف من عقابيل الحق ما زُوّقت الافتراءات وزُيّنت المنكرات!

ولا سبيل إلى الفكاك من هذا الوحش الفاتك إلا بالتعرّف على الله، وتطهير القلب من أوضار الدنيا وبهرجها الزائف؛ حتى تكون الحقائق هي الفيصل في كل قول أو فعل ...!

وكم هو جميل عندما نقرأ القرآن فنجد أن الله -عز وجل- يرشد عباده إلى أن يتعرفوا عليه، ويرتبطوا به، ولا يلتفتوا إلى أحد سواه كائنًا ما كان (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ، ومن كان مع الله ولامست قلبه أنوار العزّة استحق كفاية الله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت