فهرس الكتاب

الصفحة 8045 من 27345

السّنة النبوية إضاءات ضروريّة

أ. د. عماد الدين خليل 24/1/1426

من بين العديد من الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يبدو ليوبولد فايس ( محمد أسد ) أكثرهم اهتمامًا واقترابًا من جانب حيوي من أكثر جوانبها أهمية، ذلك هو"السنة": ما الذي تعنيه، وما مكانها في خارطة التشريع الإسلامي، ومدى التوثيق الذي حظيت به، وما هي طبيعة التعامل التي يجب أن تنظم العلاقة بينها وبين المسلم، وردود الأفعال التي تمخّضت عن هذا التعامل عبر التاريخ.

يعرّف"فايس"السنة بأنها:"المثال الذي أقامه لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أعماله وأقواله. إن حياته العجيبة كانت تمثيلًا حيًا وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن نتصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتّبع الذي قد بلغ الوحي (1) ."

فهذا التعريف ـ على إيجازه ـ يكاد يلّم بسائر عناصر المصطلح المقصود، فهناك أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأقواله، أي معطياته كافة على مستوى الممارسة والتعليم، وهناك التمثيل الحي لكتاب الله في واقع الحياة من خلال هذه المعطيات التي تمارس دورًا لا يقل أهمية، وهو التفسير الذي يوضّح ويفصّل ما ورد في القرآن الكريم موجزًا، مركزًا .. وهناك ـ أخيرًا ـ ما تتضمنه السنة من إلزام باعتبارها القناة، أو الطريق الوحيد المفضي إلى تنفيذ أمر الله كما بلّغه الوحي الأمين، وكما تمثل في كتاب الله.

والسنة بهذا المعنى ليست مجرد حشود من المفردات السلوكية، أو مجموعة متفرقة من التعاليم والإرشادات. إنها وحدة مركبة وبرنامج عمل يتميز بالشمولية والترابط، ويوازي حياة المسلم نفسها بكل تفاصيلها ونبضاتها، بل إنه ـ بعبارة أكثر دقة ـ يتعاشق معها كما تتعاشق الروح مع الجسد البشري، مع جملته العصبية، ودمه، وخلاياه و"كما أن حياة المسلم يجب أن تقوم على التعاون التام المطلق بين ذاته الروحية وذاته الجسدية، فإن هداية النبي - صلى الله عليه وسلم- يجب أن تضمّ الحياة على أنها وحدة مركبة، أي على أنها مجموع أعمق المظاهر الخلقية والعملية والشخصية والاجتماعية، وها هو أعمق معاني السنة" (2) .

وإذا كانت السنة على هذا الأساس، هي التعبير المتكامل عن الإسلام، يصبح العمل بها لزمًا لكل مسلم يتوخى التعامل مع هذا الدين بالجدّ المطلوب، من أجل أن تتوحد المبادئ والتعاليم، بالممارسة والسلوك، ويلتقي الفكر بالحياة، ويتمكن الإسلام ـ بالتالي ـ من أن يشق طريقه متحققًا في مجرى الواقع، متقدمًا بأتباعه إلى الأمام، من خلال برنامج عمل لا يكاد يغفل صغيرة ولا كبيرة. ومن هذا المنطلق يلحظ"فايس"كيف"أن العمل بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وأن ترك السنة هو انحلال الإسلام". كما أنه يجد في السنة"الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام". ويتساءل:"إنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوّض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟" (3) .

وعلى هذا المستوى، أي على مستوى الإلزام التشريعي والسلوكي والاجتماعي

للسنة، يمضي"فايس"إلى تأكيد حقيقة أن"سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تالية"

للقرآن، وهي المصدر الثاني للشرع الإسلامي وللسلوك الشخصي والاجتماعي .. إنها التفسير الوحيد لتعاليم القرآن الكريم، والوسيلة الوحيدة لاجتناب الخلاف في تأويل تلك التعاليم وتطبيقها في الحياة العملية .. إن تفكيرنا يقودنا حتمًا إلى أنه ليس ثمة حكم، فيا يتعلق بالتأويل العملي لتعاليم القرآن الكريم، أفضل من الذي أوحيت إليه هذه التعاليم هدى للعالمين. إن التعبير الذي يتردّد اليوم على مسامعنا كثيرًا:"لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألاّ نجعل من أنفسنا أتباعًا مستعبدين للسنة، ينكشف بكل بساطة عن جهل للإسلام. إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلًا يريد أن يدخل قصرًا ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب" (4) .

وذلك ـ بإيجاز ـ هو جوهر الموضوع: إن السنة هي المفتاح الأصلي الذي يمكننا من الدخول إلى عالم الإسلام، وبدونه فإننا سنظل واقفين على الأبواب، ولن تكون سائر الدعاوى التي تنادي بالتحرّر من السنة!! قادرة على أن تجعلنا مسلمين بحق.

ولكن ما مدى مصداقية السنة على مستوى التوثيق التاريخي؟؟ وهل أن ما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من أقوال وأفعال هي نفسها التي تحققت وقيلت في حيته بالفعل، أو قريبًا منه؟ وإذا كان القرآن الكريم يحمل ـ وبشكل مطلق ـ مصداقيته كنص إلهي محفوظ، لم ولن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما مدى حظ السنة من هذا الأمر؟ لا سيما، وأنها تحمل هذا القدر الكبير من الأهمية والإلزام في الحياة الإسلامية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت