إنّ هذا المسلك الذي يقدّم أولويّات مصالح الوسيلة ـ"أي الجهاز"والذي يرتقي عندهم إلى تسميته ب"الكيان"ـ على أولويّات العقيدة ومقتضياتها خطأ شنيع وضلال بيّن وآنحراف واضح سيرشّح إلى عقبة في طريق البناء الإسلاميّ في تونس لسقوطه ضحيّة الدّخن الفكري والتّهوّك المنهجي فضلا عن مكبّلات مصالح الحزبيّين ومثقلات الذّنوب والمظالم، وملجمات الجمود وعدم التّطوّر والرّكون إلى الحلقة المفرغة المعبّر عنها أحسن تعبير أبديّة الزّعامة الّتي أثقلت القوم.
إنّ المبادئ العظيمة لا تنصر بمواقف هزيلة ومن طلب عظيما قدّم العظائم، والجماعات الضّائعة والفكر الطريّ لا يمكن أن يكون سندا لهدف ضخم ولا حمّالا لواجبات عظيمة.
إنّ أهل الحقّ ليست لذّتهم في كسب مواقف ينقلب عليها غدا، ويتلوّن عليها بعد غد، ولكنّ سعادته في الحقّ الّذي معه، مهما كلّف ممّا يبدو من"خسائر"مرحليّة ومن عنت وقتيّ لأنّ الحقّ الإلاهيّ لابدّ أن يعلن، والوعد الرّبّاني لا بدّ أن يتحقّق...
إنّ الخطاب الموغل في الحزبيّة المفرّط في حقوق الإسلام الّتي من أعظمها الدّفاع عنه وبيانه وعدم كتمانه والصّدق في الخطاب السّياسي والحفاظ على وحدة المسلمين وبراءة ذمّتهم، ليطرح إشكالات عديدة من أهمّها: غاية هؤلاء!!!أي لمن يعمل هؤلاء ؟ وما هي أهداف هؤلاء ؟ و ولاؤهم لمن ؟ هل غاية العاملين في النّهضة للّه أم للحزب ؟ وهل الولاء للإسلام وأهدافه أم للحزب وأهدافه ؟ وهل أهدافهم هي أهداف الإسلام أم أهداف أشخاصه ؟ هذه أسئلة قد تكون حرجة، ولكنّها ضروريّة جدّا لكلّ من يحرص أن يقبل الله عمله، كما يجب أن تطرح على قوم أجّلوا العقيدة في عملهم للإسلام !!!
إنّ حركة نهضة المهجر بمواقفها الضّعيفة هذه يعدّ تنكّرا لذاكرتها وهويّتها وثوابتها وطعنا في مكاسبها التّاريخيّة الّتي لم تحقّقّها إلاّ بدفاعها عن الشّريعة، ورفع راية عقيدتها، وبصلابة مواقفها، وبتبنّيها لآلام شعبها، وبتعبيرها عن آماله، ولم تلق تلك الحظوة بسبب التّنازلات والتّلوّنات والمراوغات...إنّ الإصرار على الثّّوابت الشّرعيّة هو وحده الكفيل للنّجاح والتّوفيق ويكفي ذلك نصرا وعزّة.. وآنظر إلى حماس ما الّذي جعل الشّعب الفلسطيني يختارها !!! فهل شيء آخر غير التّمسّك بالثّوابت والحقوق المشروعة أمام أضخم آلة حرب وتدمير في المنطقة وبدعم حبال النّاس المنقطعة النّظير من العالم .
فهل يمكن أن نقول إنّ منهج النّهضة الضّعيف المتلوّن الخاضع لضغوط الإكراه و الإغراء والرّغب والرّهب لفي أشدّ مأزق وهو تحوّلها عن الثّوابت والقيم من أجل وهم المكاسب، سينتهي بها يوما إلى التّخلّي عن مبادئها. وهل فعلا أنّ حركة النّهضة التّونسيّة قد تخلّت عن سمتها الإسلاميّ وتدحرجت إلى علمنة مقنّعة برداء دينيّ رقيق كشف عنه رئيس مكتبها السّياسي بقوله لسنا حزبا دينيّا فكيف ندعو إلى تطبيق الشّريعة، بل هم لا يدعون في دولتهم الموعودة إلى الصّلاة كما قال الغنّوشي لإحدى القنوات الفضائيّة...
إنّ الله عزّ وجلّ جعل قداسة هذا الدّين فوق كلّ إعتبار، ورفع لواء العقيدة فوق كلّ شيء، فلا قيمة لشيء مهما غلى إذا كانت العقيدة أو شعائر الدّين مهدّدة. وإنّ أعظم شيء يجب أن تعمل له الصّحوة في تونس ـ والّذي تنكّرت له نهضة المهجر ـ أن ترفع مبدأ العقيدة أوّلا عبر حقوق الله أوّلا، وأعظم حقّ له سبحانه وتعالى أن يعبد وحده، ولا يشرك به شيئا، ولا يتّخذ النّاس من دونه أربابا أو أولياء أو أهواء وكلّ ذلك طاغوت يجب أن يكفر به.
(1) أحد المؤسّسين للجماعة الإسلاميّة في تونس سنة 1979 ميلادي والّتي هي الآن حركة النّهضة، للتواصل:mejrikhemis@yahoo.fr