فهرس الكتاب

الصفحة 9948 من 27345

الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ?يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [ النساء:1] . ?يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [آل عمران:102] . ? يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [الأحزاب:71] .

ضعف الدين في النفوس، وغاب عنها وازع الإيمان والخوف من الله جل وعلا إلا من رحم الله فساءت الأخلاق وقست القلوب وضاقت النفوس فلم تعد ترى إلا ذاتها أنانية مفرطة، وجشع وطمع وتطلع إلى حقوق الآخرين والاستيلاء عليها بالحيلة والمكر، والخداع والتحايل، أو بالقوة والظلم والغصب.

فكثرت الخصومات وضجت المحاكم والنيابات بالقضايا والنزاعات، وهناك تزداد الحيل ويكثر الزور وتتعقد الأمور وكل خصم يسعى جاهدًا للغلبة والانتصار على خصمه وإبطال دعواه بالحق والباطل وتكون المغالبة والعناد هو الوقود والدافع الذي يؤجج الصراع ويديمه ويطيل القضايا في نزاع غير متناهي، حيث تدفع الأموال ويتنصب المحامون الذين قد يسهموا في تضليل القضاء وإطالة أمد المشكلات.

إن سبب ذلك كله هو ضعف الإيمان أو انعدامه في الخصوم وأحيانًا في القضاة وأحيانًا في المحامين. إن القاسم المشترك هو نسيان الله جل وعلا وعدم اليقين في لقائه والوقوف بين يديه للجزاء والحساب إذ لو وجد الخوف من الله واستشعار عظمته واستيقان الحساب يوم الدين لكانت الحالة غير التي نعيشها اليوم.

ذكروا أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - القضاء ، فمكث في منصبه سنة لم يترافع إليه اثنان، إذ كل واحد قد علم الحق الذي له والحق الذي عليه فتناصف الناس فيما بينهم بالحق والعدل ، يدفعهم إلى ذلك خوفهم من الله واستعدادهم للقائه لا يبغون علوًا في الأرض ولا فسادًا. فلما انقضى العام جاء عمر - رضي الله عنه - أبا بكر يطلب منه أن يعفيه من هذا المنصب الذي لا يحتاج إلى متفرغ له لقلة الخصومات أو انعدامها في زمن الصديق - رضي الله عنه - .

إن الناس يخطئون ويذنبون وتغرهم الحياة ويخدعهم الشيطان فهم في حاجة ماسة إلى من يذكرهم بربهم وينصحهم ويعظهم، فقد كان القضاة الربانيون طوال تاريخ الإسلام الممتد عبر القرون كانوا يعظون الخصوم ويذكرونهم بالله وبلقائه ويرغبونهم في العدل وفيما عند الله، ويحذرونهم من الظلم وسوء عاقبته في الدنيا والآخرة ، كل ذلك كان يتم قبل صدور الأحكام، وكان الكثير من المتخاصمين يستيقظ عندهم الإيمان فيتوبون ويعترفون بالحق ويندمون، فيستريحون ويريحون.

وكان هذا هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع المتخاصمين ، كان يعظهم ويذكرهم ويخوفهم عقوبة الله ولا سيما عند اليمين التي يبنى عليها الحكم. ففي الصحيحين عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان".

وفي رواية عن عدي بن بحيرة قال:"كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة فارتفعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال للحضرمي:"بينتك وإلا فيمينه"، قال: يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله وهو عليه غضبان"، فقال امرؤ القيس: يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال:"الجنة"، فقال: أشهدك أني قد تركتها، فنزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: ? ِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [آل عمران: 77] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت