فهرس الكتاب

الصفحة 22078 من 27345

لَهْفي على بغداد 1

بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي

قَدْ كنتِ يا بغدادُ جنَّةَ أُمَّةٍ

ورَواحَ أفئدةٍ وعِزَّ مكانِ

فُعُرِفتِ دارًا للسلام وقُبَّةَ الـ

إسلامِ دارَ خلافةٍ وأمانِ

يا غُرَّةَ الدنيا ! جَمعْتِ الرافدَيْـ

ـنِ لطائِفَ الإبداعِ والإتقان

وجمعتِ مِنْ طُرَفِ الحياةِ ندّيةً

تَغنَى وتَرْوي لَهْفَةَ الظَّمآنِ

يا زهرةَ الدنيا وأنفاسَ الهوى

ورفيفَ أشواقٍ وخفقَ حَنانِ

زَهرتْ علومُك في الحياةِ وفوَّحَتْ

عِطْرَ الورودِ ونفحةَ الريْحانِ

فلكَم دَفَعْتِ إِلى البريّة أمّةً

من عبقريِّ العِلْم والأفنانِ

في كلِّ مَيدانٍ رفَعْتِ منائِرًا

ومنابرًا ورفَعْتِ من بُنيانِ

ولكم قَصمتِ من الضلالِ وخُضتِ من

لُجَجٍ وأهوالٍ مِنَ الحَدثانِ

مهما تَبَدَّلَ فوقَ أرضك من هوى

سيظلُّ عهدُك عروةَ الإيمانِ

دارٌ مجلّلةٌ بِعزَّةِ أُمَّةٍ

كم زانها التاريخ من تيجانِ

تاريخُ إسلامٍ وثروَةُ أُمّةٍ

أو زهوُ آمال وعزُّ كيانِ

ويحي ! أتوكِ على بوارج كالقلا

ع وزَحْمة الآلات والرُّكبانِ

زَحفوا بِدبَّاباتِهمْ ! بالطائرا

تِ ! بآلَةٍ جَبَّارَة الطُّغْيانِ

زحفوا عليك كأنهم موجٌ من الـ

إعصارِ والإظلام والطوفانِ

بالنار ! بالصاروخ يُلقي فوقها

هولَ الجحيم ودفقة الأضغانٍ

ورموك باللّهب المدَوِّي ! ويحَهِمْ

وَصَواعِقٍ مجنونةٍ ودُخانِ

فكأنَما ترمي السَّماءُ لهيبَها

والأرض تطلق غضبة البُركانِ

وتدفّق الحقْد الشَّديد قواصفًا

وعواصفًا مِنهمْ ومِنْ أَعوان

كم من صبيّ راحَ بين لهيبها

وصبيّة طُوِيِتْ على أحزانِ

تتناثر الأشلاء من أطفالها

ومن الشيوخ وطلعةِ الفتيانِ

تتواصلُ الغاراتُ دونَ هَوادَةٍ

قصفًا على الساحاتِ و البُنيانِ

تهوي العَمائر بين هَوْل دويِّها

ولهيبها وجَحيمها ودُخَانِ

تنصبُّ أهوال الصواريخ التي

جُنّتَ على الساحات والكُثبانِ

فالأفْقُ مُسْودٌّ بسودِ فِعالهم

والأفْقُ من خَجلٍ بلونِ دِهانِ

كُشِفت مَزاعمُهم وبان ضلالُهم

وبدا فَسَاد الزُّور والبُهْتانِ

لهْفي على بَغْدادَ وهي حرائقٌ

شتى تَواصَلُ في رُبَا بغدانِ

فإذا نَظَرْتَ فلا تَرى أبدًا سِوى

لَهَبً تَلَظّى واقتحامِ دُخانِ

فكأنّه لم يُبْقِ في سَاحَاتِها

بَشرًا ولا أَثَرًا إلى بُنْيانِ

زعمَ الطغاةُ المجرْمُون بأنّهم

حَمَلوا إلَيْكِ نوازِع الإحسانِ

حُرِّيّة ونداوةً ! يا ويْحَهُمْ !

حَمَلوا إِليكِ فَواجِعَ النيرانِ

والموتَ والتَدْميرَ والإِفناءَ ! تِلْـ

ـكَ شَرِيعةُ الطغيانِ و البُهتانِ

حَمَلوا مَطامِعَهمْ وفوْرةَ نَهْمَةٍ

يُخفُونَها في زُخْرُفٍ وبَيَانِ

وبقيتِ وحْدَكِ والذين أَتَوك في

مَدَدٍ مِنَ الصّدْق الوفيِّ الحاني

ثم انطوتْ زمُر النفاق وأدبروا

زمرًا من الذؤبان والجرذانِ

طال الحِصَارُ عَليكَ ! كلُّ سنيه من

ظُلم الطُّغاةِ وشِدَّةِ الطغيانِ

عجبًا لِصَبركَ بَعْد طول حِصارهم

لكَ يا"عِراقُ"وقسوةِ الحرمانِ

المجرمونَ عِصَابَةٌ في الأرْضِ أعْـ

ـتى من وحوش الغاب والحَيوانِ

شدُّوا !عليكَ وضيَّقوا ! فصبرتَ في

أملٍ يُطلِّ وعزّةٍ مِنْ شانِ

فالأُمَّهات يَرَيْنَ من أًَطفالِهـ

ـنَّ تأوّه الأحْشاءِ والأبدانِ

صَرْعى مِنَ المرضِ الشَّدِيد !فلا دَوا

ءَ ولا غِذاءَ ! ضحيّةُ العُدْوانِ

هذي الملايين التي سقطت ضحا

يَا الظلمِ والإِحصار والبُهتانِ

عجبًا لِصبْرِكَ يا"عِراقُ"على شَديـ

ـدِ حِصَارِهِمْ وفواجِع الخذلانِ

أنّى نهضتَ مِنَ الحِصارِ ، مِن الجِرا

ح ، مِنَ الدَّمَارِ ، وهجمة الكفرانِ ؟!

ظنّوا بأنك بالحصار لسوف تر

كُع دونَهُمْ وتميلُ للإذعانِ

وصبرتَ لم تَرْكَعْ ! فظنّوا أنه

لا بُدَّ من حربٍ عليك عَوانِ

فشلَ الحِصَارُ ! وخابَ كلُّ رجائهم !

هبّوا على غضَبٍ ! على غليانِ

لجريمة كُبرى ! وقصفِ مرابعٍ

بالنار ، بالصاروخ ، بالطيران

وبكل آلات الدّمار ، وكلِّ حقـ

ـقدٍ في الصُّدور ونزوة الإمعانِ

فنهضتَ من بين الحصار مُدَوِّيًا

عزمًا أشدَّ تجول في الميدانِ

"بغدادُ"! و َأسفاه ! هذا حَالُنا

لمّا ابتُليتِ ! فَمنْ تُراهُ الجاني ؟!

ضاعت معالِمهُمْ ! وكلٌّ يدَّعي

شَرَفَ البطولةِ أو يَدَ الإحسانِ

ضاعَتْ موازينُ العَدالةِ واختفتْ

وَيحي ! فأين عدالة الميزانِ

لَهْفي عَلى"بَغْدَاد"بَيْنَ دِيارِها

حمَمٌ تفجَّرُ في لظىً ودخانِ

بغداد لا تَسْتسلمي وتَوَقّدي

شُعَلَ العَزيمةِ ! وثبةَ الفُرسانِ

وتوقَّدي لَهَبًا يَصُبُّ على العِدى

حُمَمَ الجحيم وغضبةَ البركانِ

لا تيأسي بغدادُ إِن طال المدى

فالنصر عزمة صابرٍ طعّانِ

والحربُ جَولاتٌ ليُجْلى عِنْدَها

شَرفُ العَهُود وعروة الإيمانِ

فَثبي وَخَلِّي الأَرْضَ تَحْتْ جُنُودهم

وَعتادِهم وقْدًا من النيرانُ

ومن الزحوف كأَنَّها زَحْفُ الجِبا

لِ عَلَيْهِمُ وعواصفُ الكثبان

وقواصفٌ ترمي بوارج حِقدِهم

وتهزُّ من عُمُدٍ ومن أركانِ

تلك البطولَةُ ! ما أَجَلّ وَفاءها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت