فهرس الكتاب

الصفحة 6267 من 27345

الجهاد حياة(1/3)

د.عبد العزيز القارئ 4/2/1424

الجهاد في الإسلام جاء بالحياة وليس بالموت. .

لأن الإسلام دين الحياة والسلام، فيه منهجُ الحياةِ الحقيقية، الذي لو التزم الناس به لعاشوا في أمانٍ وسلامٍ، وعدالةٍ ورخاءٍ.

يقول بعض من لا يعرفه: إنه دينٌ دموي!!

كيف وهو يمنع سفك الدماء، ويجعل قتل نفسٍ واحدةٍ بغير حق مثل قَتْلِ الناس جميعًا (..مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا...) [ 32 / المائدة ] .

ويجعل الجُنُوح للمسالمة الاختيارَ المفضَّلَ ما دام الطرف الآخر يقبل به: ( . . وَإِنْ جَنَحُوا لَلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ . .) [ 61 / الأنفال ] .

ولا يفرض عقيدته وشريعته على أحد، وإنما يخاطبهم بالدعوة، والدعوة قائمة على الحجة والبيان، وأسلوبها قائم على الجدال والمجادلة بالتي هي أحسن: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن ..) [ 125 / النحل ] .

بل كرَّس قاعدةً لازمةً هي أنَّ إكراه الناس على عقيدته مرفوض: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ . .) [ 256 / البقرة ] .

ووجه خطابه بذلك للرسول - صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِين) [99/ يونس ] هذا استفهام إنكاري؛ فمعنى الآية: لا تُكْرِه الناس على ذلك.

ولكن هل يقبل كل الناس هذا المنطقَ المُسَالِم العقلانيَّ ؟

أكثر الناس ويا للأسف عدوانيون، إن خفضت لهم جناح الذل كسروا جناحكَ وأكلوا لحمكَ ونهشوا عظامكَ !!

ومسالمة من يهجم عليك بسكين ليقتلك أمرٌ غير معقول، لا ينصحك به أحدٌ من العقلاء، ومن الطبيعة السويَّة أن تحميَ نفسَكَ وتدافع عن حرماتك أمامَ المعتدين الصائلين الجائرين..

ومن هنا شُرِع الجهادُ في الإسلام، للدفاع عن الحرمات، لا للعدوان على الناس، حتى لو كانوا مُخَالفِين في الملَّةِ والدين..

لو كان الجهاد في الإسلام هو لكلِّ مُخالفٍ فَلِمَ أَمَرَ بمسالمةِ من يسالمنا من الكفار؟ بل أمر بالإحسانِ إليهم ومعاملتهم بالعدل..

قال تعالى: ( لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) [ 8 / الممتحنة ] .

ولِمَ أَمَرَ الحاكمَ المسلمَ بأن يُقِرَّ غير المسلمين من رعيته على دينهم، وسماهم النبي - صلى الله عليه وسلم-"أهلَ الذِّمةِ"وفي هذه التسمية إشارة إلى مسؤولية المسلمين حيالهم أن يعاملوهم بالعدل والإحسان.

وأَمَرَ بإقرار اليهود والنصارى على ملتهم إذا وقعوا في قبضة المسلمين، قال تعالى: ( قَاتِلُوا الَّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولاَ بِاليَومِ الآخِرِ ولاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ولا َيَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّّّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ 29 / التوبة ] .

وهنا إيماءة عجيبة في هذه الآية، هي هذه الأوصاف التي وُصِف بها اليهود والنصارى من نفي الإيمان عنهم، ونفْي طاعة الله ورسوله، ونَفْيِ الامتثال للشريعة، وأنهم لا يدينون دين الحق الذي هو الإسلام، فذِكْرُ هذه الأوصاف يتبادر إلى الذهن أنه يُوجِبُ عدمَ إقرارهم على ملتهم هذه، ويُوجِبُ قَسْرَهُم على الإسلام الدين الحق، لكن الآية مع ذلك خُتَِمَتْ بإقرارهم على ملتهم ما داموا خاضعين لسلطان الحكومة الإسلامية.

الجهاد في الإسلام موجَّه فقط ضدَّ من يقاتلنا، ضد من يعتدي علينا ويخرجنا من ديارنا أو يظاهر على إخراجنا والعدوانِ علينا، وحُرَّم علينا نحن المسلمين العدوانُ بمقاتلة من لا يقاتلنا، قال تعالى: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِين ) [ 190 / البقرة ]

تنبه إلى أنّ قوله ( وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) جعلت هذه الآية مُحكَمةً غير قابلة للنسخ، فلا يقال إن هذا الحكم كان أول الأمر ثم أُمرنا بمقاتلة جميع الكفار، لأن هذا القول يؤدي إلى معنى قبيح لا يقول به أحدٌ وهو نسخ ( وَلاَ تَعْتَدُوا ) ونسخ ( إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) والأول حكم لا يقبل النسخ مثل تحريم الظلم، والآخر خبر، والأخبار لا تقبل النسخ. .

فإذن كلُّ النصوص الأخرى التي وردت في الجهاد يجب أن تُفْهَم في ظلال هذه الآية المُحكمة (1)

إن الجهاد في الإسلام حياة؛ لأنه دفاع عن الحرمات وردع للمعتدين، فلو تركت الحرمات نهبةً لكل منتهب، وتُرك المعتدون يفعلون ما يشاءون ما استقامت الحياة. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت