قال تعالى: ( وَلَو لاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعَضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ) وفي قراءة ( دفاع ) [251/ البقرة ] .
والجهاد بهذه المثابة حياة للمسلمين ولغيرهم من المظلومين من أهل الملل الأخرى، قال تعالى ( وَلَولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا ) [ 40/ الحج ] فالصوامع معابد النصارى، والبيع معابد اليهود، والصلوات معابد المجوس أو الصابئة، والمساجد معابد المسلمين، وهي التي يذكر اسم الله فيها كثيرًا.
وقال سبحانه: ( وَمَالَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّساءِ وَالوِلْدَانِ الَّّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) [ 75 / النساء ] .
الجهاد مع ما فيه من سفك لبعض الدماء هو حياةٌ كالقصاص مع أنه سفك لدم الجاني لكنه حياة للناس، لأنه يردع الجناة؛ فتحفظ بذلك دماءُ الناس من أن تُسْفك..
قال تعالى: ( وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ 179 / البقرة ] (2) .
المقالة التالية
الجهاد حياة (2/3) (1) يذكر بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في سورة التوبة وهي قوله ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . . الآية ) [5/التوبة] ومن غرائب المفسرين المردودة قولهم إن آية السيف هذه نسخت أكثر من مائة آية من القرآن وجعلوا من المنسوخات جميع الآيات الآمرة بالصبر والآيات الآمرة بالدفع بالتي هي أحسن ، والآمرة بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، بل ذكروا أنها بعد أن نسخت كل هذا القدر من القرآن نسخَ آخرُها أولَهَا وهو قوله ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) .
وقيل أن آية السيف منسوخة بقوله ( فإما منا بعد وإما فداء ) وهذا ولعٌ بالنسخ لا يعجب المحققين ولذلك يصف ابن الجوزي القائلين به بأنهم لا فهم لهم من ناقلي القرآن [ نواسخ القرآن / 360 ] .
ينبغي أن تجمع الآيات الواردة في الجهاد وتُدرس مجتمعةً لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا وقد صنع ذلك بعض الباحثين المعاصرين وصنعته أيضًا فتكشفت لي جوانب هامة من شريعة الجهاد ، ومن أهم نتائج هذا المنهج الفهم الكامل للجهاد. .
ومن أهم المبادئ العامة في هذا الباب أن الأمر بالقتال موجه فقط ضد المقاتلين أو ما يسميه الفقهاء"الكافر الحربي"أما الكافر المسالم ذميًّا كان أو معاهدًا فلا يجوز قتله ولا قتاله.
(2) القصاص حياة ، لكن لا يفقه ذلك إلا أولو الألباب ، هناك اليوم أناس في الغرب - ويقلدهم ببغاوات عندنا - لم يبصروا إلا دم القاتل فاستبشعوا إراقته وسفكه ، وعميت أبصارهم عن دم المقتول ن فهم يدعون إلى المحافظة على دم المجرم القاتل ، وأهدروا بذلك دم المقتول ، وفي ذلك دعوة إلى القتل وتشجيع على جرائمه ، ولذلك كثرت جرائم القتل في البلاد التي أخذت بهذا النوع من التفكير الأعوج ، هؤلاء لا ألباب لهم
د.عبد العزيز القارئ 11/2/1424
الجهاد للأمة الإسلامية حياة، وفي تركه هلاكها . .
قال تعالى: ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [ 195/ البقرة ] .
المراد بالتهلكة في هذه الآية: تركُ الجهاد، والخنوع إلى حياة الدعة والرفاهية.
عن أسلم أبي عمران قال: حَمَلَ رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية إنما نزلت فينا: صحِبْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وشهدنا معه المشاهد ونصرناه فلما فَشَا الإسلام وظَهَرَ اجتمعنا معشر الأنصار تحبُّبًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم- ونَصرِهِ حتى فشا الإسلام وكثُر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزلت فينا ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (1) .
لماذا تَرْك الجهاد تهلكةٌ لهذه الأمة ؟
لأنها أمة ذات رسالة يجب أن تبلغها للناس: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المَنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) [ 110/آل عمران ] .
هذه رسالتها: أن تحمل راية الإيمان بالله، وتُصلح أحوال الناس على ضوئه وتنشر العدالة في العالم بإقامة شريعة الله .