فهرس الكتاب

الصفحة 6269 من 27345

ووسيلتها ( الاستراتيجية ) في ذلك ( الدعوة ) ، لذا يجب أن تكوِّن بمجموعها أمةً داعية، تحمل لواء الدعوة بالحسنى، وبالحجة والبيان ..

قال تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ..) أي من مجموعكم أمة، صفاتها وواجباتها، ( يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ .. ) [ 104/ آل عمران ] فهذه الأمة رحمة للبشرية؛ لأن رسالتها تحمل الخير إليهم، وتنادي بالإصلاح ونشر العدالة، وإزالة الظلم، وهذا معناه مكافحة الفساد، ومحاربة المفسدين في الأرض، الذين يستنزفون البشرية، ويتحكمون في رقاب الناس، وينشرون الفقر والدمار في أرجاء العالم ..

هذه مهمة الأنبياء وأتباع الأنبياء في كل زمان ومكان: ( فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ ..) [ 116/هود ] .

المفسدون في الأرض أتُرَاهُم سيستقبلون حَمَلَةَ هذه الرسالةِ النبيلة بالورود والأحضان ؟!

بل سينشب الصراع، وهو صراع مرير متوحش، لأنه وإن كان أحد طرفي الصراع رحيمًا يحمل راية الرحمة، وحكيمًا يحمل راية الحكمة، لكن الطرف الآخر مجرم متوحش ظالم؛ لذلك يجب أن يكون الدين كله لله، والدين هنا بمعنى الطاعة والخضوع، أي يجب أن يكون السلطان لدين الله وشرعه، وتكون السيطرة في ميدان الصراع لهذه الأمة حتى تتمكن من أداء رسالتها...

( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله ) [ 193/البقرة ] .

الناس لو خُلِّي بينهم وبين الدعوة فإنهم سيستجيبون لنداء الحق، ومنطق الدعوة، لأنه سيتجلى واضحًا كالشمس أن في ذلك حياتهم وسعادتهم، لكنَّ المفسدين لن يستجيبوا، بل سيستنفرون كامِل أسلحتهم وإمكاناتهم، ويخوضون معركة حياة أو موت مع هذه الأمة، فلو لم تكن هذه الأمة مستعدة للجهاد فستهلك وتذهب شذر مذر، كهشيم تذروه الرياح، ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّ مِنَ المُجْرِمين ) [ 31/الفرقان ] .

( وكَذَلِكَ جَعَلْنَا في كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها.. ) [ 123/ الأنعام ] .

والتاريخ حافل بالدروس: أن هذه الأمة كلما تمسكت بالجهاد واستنفرت قواها من أجله كانت عزيزة قوية، تقوم بواجباتها، وتؤدي رسالتها نحو البشرية بنشر نور الإسلام، ورفع الظلم عن المقهورين ..

ما الذي حمل أولئك الفرسان المسلمين على غزو الشرق والغرب: في عهد الخلافة الراشدة التي تمثل أعظم مراحل تاريخ هذه الأمة بعد عهد النبوة، ثم في عهد الخلافة الأموية وهو عهد الفتوحات الكبرى، ثم في عهد الخلافة العباسية حيث وصل ملك المسلمين إلى أعظم امتداد له على وجه البسيطة، وفي عهد آخر خلافة إسلامية وهي خلافة آل عثمان التركية كاد امتداد الجيوش الإسلامية يشمل أوربا كلها ..

كل هذه الدول الإسلامية الكبرى كانت مجاهدة، أرأيت لو وضعوا راية الجهاد عن كواهلهم، وركنوا إلى حياة الدعة والخنوع أكانوا يظلون دولًا عظمى مرهوبة الجانب ؟

وهذا الاتساع في رقعة الإسلام على وجه البسيطة أكان يتحقق ؟

في فترات الانحطاط والضعف لمّا قَعَدت الأمة عن الجهاد انظر ماذا حصل لها ؟ أصبحت غنيمة للأعداء، وتقاسم المستعمرون أوصالها تكالبوا عليها كما تتكالب الأكلة على القصعة.

يقول من لم يفهم تاريخ الجهاد: إنهم كانوا ينشرون عقيدة الإسلام بالسيف، ويقهرون الناس ويجبرونهم على اعتناق الإسلام !!

لو كانت تلك الشعوب في الشرق والغرب قد تم قهرها على عقيدة الإسلام أكانت تتغير ذلك التغير الباهر؟ لقد كان تغيرًا جذريًا، لقد تمكن الإسلام من قلوبهم، وصبغ حياتهم وثقافتهم وأدبهم وشعرهم وكل شيء عندهم بصبغته، واستمر ذلك إلى اليوم..

إذا كان الفاتحون المسلمون قهروا تلك الشعوب وأجبروها على اعتناق الإسلام فما بالهم تركوا اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أهل الملل على ملتهم، واكتفوا بأخذ الجزية والخراج منهم، وعاش هؤلاء تحت ظل الدولة الإسلامية في رخاء وسلام، في ظلال شريعة إسلامية عادلة..

ولو كانت عقيدة الإسلام لم تنشر إلا بالسيف فما بال شعوب شرق آسيا من أدخلها بالسيف في الإسلام؟ وإنما وصلها الإسلام على أكتاف تجار مسلمين مسالمين، ثم جاءت جحافل الجيوش النصرانية برتغالية وهولندية لتنشر النصرانية بالسيف والدماء، ولذلك لم تنتشر النصرانية في هذه الأصقاع انتشار الإسلام، لأن الناس لا يمكن قهرهم على اعتناق الدين - أي دين - ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين ) [ 256/البقرة ] .

الجهاد لم يُشرع لنشر عقيدة الإسلام، إنما تنشر عقيدة الإسلام بالدعوة، أما الجهاد فلبسط سلطان الإسلام، وهو معنى الآية: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لاَ تكُونَ فِتْنَةٌ وَيكونَ الدّين لله..)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت