فهرس الكتاب

الصفحة 25454 من 27345

أ.د. عباس محجوب*

يكاد كثير من الباحثين يجزمون بأن الإسلام اتخذ منذ البداية موقفًا حذرًا من الشعر أدى إلى إطفاء جذوته المشتعلة قبل الإسلام وإلى ضعف مستواه, وكان أول من أشار إلى ذلك الأصمعي في قولته المشهورة (الشعر نكد يقوى في الشر فإذا دخل في الخير لان وضعف) .

وقد ضرب مثلا على ذلك بشعر حسان بن ثابت الذي وصف بأنه كان في الجاهلية من الفحول، ولما دخل الإسلام سقط شعره، فالأصمعي ينظر إلى مصدر الشعر الخير أو الشر وهو يقرن الشعر الجيد بالشر (لأن الشر عنده هو صورة للنشاط الدنيوي جميعه والشعر ينبع من ذلك النشاط) . ومن النقاد القدامى الذين وافقوا الأصمعي؛ محمد بن سلام الجمحي الذي يقول:"فجاء الإسلام وتشاغلت عن الشعر العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته. وعزز هذا الرأي في النقد القديم ابن خلدون في مقدمته حيث ذكر (أن الشعر كان ديوانًا للعرب في علومهم وأخبارهم وحكمهم, ثم انصرف العرب عن ذلك أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانًا) ."

ومعنى هذا أن المسلمين قد انصرفوا عن قول الشعر ونظمه، بينما ظل المشركون ينظمون الأشعار، ومع ذلك لم يتعرض النقاد لشعرهم من حيث القوة والضعف, وما روى في كتب الأدب يدل على غير ما ذهب إليه النقاد القدماء، فقد كان عدد من الشعراء أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك؛ يدافعون عن الرسول والرسالة ويصدون هجوم شعراء قريش, كما أن الوفود كانت تأتي بشعرائها وخطبائه،ا ولا شك أن شعرًا غزيرًا قيل آنذاك وأن الرواة لم يدونوه فضاع معظمه لانشغال الناس بغير رواية الشعر وتدوينه.

وقد تابع هذه الآراء عدد من الباحثين المحدثين أمثال جرجي زيدان الذي يقول:"فلما جاء الإسلام وجمع كلمة العرب, وذهبت العصبية الجاهلية لم تبق الحاجة إلى الشعر والشعراء؛ باشتغال أهل المواهب والقرائح بالحروب في الجهاد لنشر الإسلام وبالأسفار، وقد أدهشتهم أساليب القرآن وأخذتهم النبوة وانصرفت قرائحهم الشعرية إلى الخطابة لحاجتهم إليها في استنهاض الهمم وتحريك الخواطر للجهاد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت