الحلقة (33) الجمعة 9 رمضان 1396هـ - 3 أيلول 1976م
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون فنعود اليوم إلى وصل ما انقطع من سياق الحديث عن سورة التكوير؛ بهدف التعرف على الأغراض التي أثارتها السورةُ الكريمة، وعلى الأوضاع المجتمعية التي واجهتها بهدف التغيير والتبديل.
نعود اليوم لذلك بعد انقطاع أسبوع كان حقًا علينا أن نقف خلاله عند بعض معاني الصيام مستقبلين بذلك شهر الصوم الكريم؛ ونحن إذ نشير إلى هذه الوقفة التي قطعت علينا ما كنا بسبيله، ينبغي أن نعلن اغتباطنا وحمدنا لله جل وعلا على أن تخوُّفنا الذي أبديناه في الأسبوع الماضي لم يكن كله في محله فقد يبدو أن قياس الحاضر على الماضي، وقياس المستقبل على الحاضر في مجال الإنسان والإنسانيات، لا يمكن أن يكون صادقًا الصدق العلمي المعروف، ففي ما يتعلق بالصوم لو قسنا هذه السنة على الماضية والماضية على التي قبلها، وقسنا السنة القادمة أو توقعناها؛ بناء على معطيات هذا العام لجاءت النتائج مختلفة عمّا هي عليه في الواقع، ولقد كنا نتخوف أن تكون الاندفاعة التي شهدها الناس نحو التحلل من قيود الدين وفرائض الله جل وعلا، تشكل ظاهرة مزعجة هذا العام ولكن الشيء الذي لا ينقضي حَمْدُ الله جل وعلا عليه، أن ظاهرة الصوم والصلاة في رمضان من هذا العام خير منها في العام الماضي؛ أذلك نتيجة تدبير وتخطيط وتصميم قام عليه الناس؟ ما أتصور فالجهود التي يبذلها الغيورون على الإسلام في هذه المنطقة لا تكفي حقًا لإيقاظ نائم، ولا يكفي صدقًا لتنبيه غافل، ولعلها أن تكون من باب رفع العتب والشيء الذي يُطمأن عليه إن شاء الله تعالى، أن هذه الأمة بعين الله، وأنها يوم اختيرت فلأمر ما قد اختيرت ولغايةٍ اللهُ حددها، وسوءٌ أخلص الناس أم فسدت دخائلهم؛ فإن ذلك لا يؤثر على الغاية النهائية، لأنها صناعة ربانية وليست صناعة بشرية.
أقول هذا وأنا أمقت الحديث في الغيبيات التي تفتقر إلى المنطق، ولكني في كل مراحل تاريخ هذه الأمة أرى إصبع القدرة متجليًا عند كل منعطف خطير من تاريخ هذه الأمة والأمر بعد واضح، فليس مشروطًا لتصحيح الاتجاه، وتعديل السير أن يتولى ذلك جمع من الناس لهم هيل وهيلمان، وان يتولى ذلك جمع من الناس لهم عجيج وضجيج، كلا فلعل أعمق التطورات التي تحصل هي تلك التي يشارك في صنعها آلاف ومئات الألوف من الرجال والنساء والشباب بل والصبية الذين لا يتصل بعضهم ببعض، والذين لا يعلنون عن غايتهم وأهدافهم؛ بل الذين قد لا يتبينون تمامًا ما الذي يريدون، ربما يجد الإنسان نفسه ملهمًا، بأن يساق نحو غرض معين.. ونحو طريق معين أرأيت الحجر تلقيها على صفحة ماء راكد، تتولد منها دوائر ما تزال تنداح ثم تنداح حتى تطبق النهر من حافته إلى حافته، كذلك أي عمل يعمله الإنسان في ساحة المجتمع في الحياة الدنيا، قد لا يكون له ضجيج، قد يكون خافت الصوت ضعيف النأمة؛ ولكنه ليس ضائعًا ككل شيء في هذا الوجود لا يضيع أية موجة تنطلق من صوتك أو أية حركة يحتفظ بها هذا الوجود، قد لا تطيق أن تحصل عليها ولكنها في الفضاء موجودة لم تغب ولم تضع، هذا العمل الصغير الذي قد لا يأبه له، يُولّد مع الزمن أنماطًا من القدوة، ويثير مع الزمن ألوانًا من الحوافز، ويدفع مع الزمن كثيرًا من الهمم، وهكذا تجد نفسك أمام ما يشبه الطفرة وما هي بالطفرة وإنما هي التسلل والتجرد المنطقي الذي لو صَبَّرَ كُلٌ منا نفسه على التعرف عليه، وفحصه وقياس نتائجه وآثاره؛ لوجد ذلك حقًا لا ريب فيه، فقد لا يكون التقدم باتجاه الناس، والتطور باتجاه الإسلام؛ صنع إنسان أو صنع مجموعة، قد لا يكون، - وأنا أقطع بأنه حتى لو كان كذلك - فصنعُ الإنسان أو صنع المجموعة؛ لا يبلغ أن يؤدي إلى شيء من هذا النوع.
نحن في هذا العام، نعالج الصيام ضمن حر شديد، وأيام مرهقات، ولقد كان معقولًا أن تكثر ساحة المفطرين، ولكن الأمر جاء على خلاف ذلك - بفضل الله - تَمُرُّ في السوق وفي الطريق، فلا تكاد عينك تتأذى بمنظر إنسان مفطر. كنا في العام الماضي نرى من هذه المناظر المشنوءة الشيء الكثير، فما أظن أن إنسانًا يستطيع أن يقول: أنا صنعت هذا وما أظن أن جماعة تملك أن تقول: نحن صنعنا هذا، وضروري أن يعرف الفرد وأن تعرف الجماعة ما لها من هذا، كي تحمي نفسها من بوادر الغرور، وترد الأمر كله إلى الله الذي تتقلب القلوب جميعًا بين إصبعين من أصابعه جل وعلا إن شاء أن يقيمها أقامها، وإن شاء أن يزيغها أزاغها فالحمد لله كثيرًا وإن كان لي ما أختم به كل شيء يتعلق برمضان وبفريضة الصوم في هذا العام فهو أن أرجو رجاءً مخلصًا وحارًا وأرجو الإخوة الذين تعرفوا على ظلال العبادة، وتفيؤوها في هذا الشهر الكريم صيامًا وصلاة وقيامًا وتلاوة مصحف؛ أرجو أن لا يكونوا أوكس الناس حظًا ونصيبًا من حصائد هذا الشهر.