فهرس الكتاب

الصفحة 5832 من 27345

التقوى: مدخل لغوي واصطلاحي د. محمد عمر دولة*

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فإنَّ التقوى في اللغة: هي الوقاية مما يُكرَه ويُحذَر.

قال القرطبي رحمه الله:"الأصل في التقوى: وَقْوَى على وزن فَعْلَى؛ [1] فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه: أي منعته، ورجل تقي أي خائف، أصله: وقي، وكذلك تُقاة كانت في الأصل وُقاة، كما قالوا تُجاه وتُراث، والأصل: وُجاه ووُراث". [2] وقال ابن منظور رحمه الله:"جُعِلَ قلبُ الياء واوا في التقوى والدعوى والفتوى؛ عِوَضًا للواو مِن كثرةِ دخولِ الياء عليها". [3]

وقال ابنُ كثير رحمه الله:"أصلُ التقوى: التوقِّي مما يُكرَه؛ لأنَّ أصلَها وَقْوَى من الوقاية، قال النابغة:"

سقطَ النصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه ** فتناولَتْه واتقَتْنا باليدِ

... وقد قيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال له: أما سلكتَ طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملتَ؟ قال: شمرتُ واجتهدت؛ قال: فذلك التقوى. وقد أخذَ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال:

خَلِّ الذنوبَ صغيرَها ** وكبيرَها ذاك التُّقَى

واصنعْ كَماشٍ فوق ** أرضِ الشوكِ يحذر ما يرى

لا تحقرنَّ صغيرةً إنَّ ** الجبالَ مِن الحَصَى!" [4] "

وقال ابن منظور:"يقال: وقاك الله شرَّ فلان: وِقاية، وفي التنزيل العزيز (ما لهم من الله مِن واقٍ) : أي مِن دافِع، ووقاه وِقايةً بالكسر: أي حَفِظَه، والتوقِية: الكَلاءة والحفظ... والاسم التقوى: التاء بدلٌ من الواوِ، والواوُ بدل من الياء. وفي التنزيل العزيز (وآتاهم تقواهم) : أي جزاء تقواهم وقيل: معناه ألهمهم تقواهم. وقوله تعالى (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) : أي هو أهلٌ أن يتقى عقابه وأهلٌ أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته. وقوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله) معناه: اثبت على تقوى الله ودم عليه... وقوله تعالى: (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) تأويله: إني أعوذ بالله؛ فإن كنت تقيا فستتعظ بتعوذي بالله منك... ابن الأعرابي: التقاة والتقية والتقوى والاتقاء: كله واحد". [5]

وأما في الاصطلاح، فإن عبارات العلماء في تعريف التقوى تدور على صيانةِ النفس من المعاصي، وترك الشركِ والفواحِشِ والكبائرِ، والتأدُّب بآدابِ الشريعة؛ فالتقوى إذن: فِعلُ الطاعات واجتنابُ السيئات.

فقد قال القرطبي رحمه الله:"قال أبو يزيد البسطامي: المتقي: من إذا قال قال لله، ومن إذا عمل عمل لله. وقال أبو سليمان الداراني: المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات". [6]

وقال محمد بن أبي الفتح الحنبلي:"التقوى: تركُ الشركِ والفواحِشِ والكبائرِ عن ابن عباس، وأصله من الإتقاء، وهو الحجز بين الشيئين، وعن ابن عمر: التقوى: أن لا ترى نفسَك خيرًا من أحدٍ! وعن عمر بن عبد العزيز: التقوى: تركُ ما حرَّمَ الله وأداءُ ما افترضَ الله، وقيل: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم . وقيل: التقوى: تركُ ما لا بأسَ به حَذرًا مما به بأس، وقيل: جِماعُها: في قوله تعالى: (إنَّ الله يأمرُ بالعَدلِ والإحسان) [7] ". [8]

وقال عبد الرؤوف المناوي:"التقوى: تجنبُ القبيحِ خوفًا من الله. وأصلها الوقاية. وعند أهل الحقيقة: التحرز بطاعة الله عن عقوبته وهو صيانة النفس عما يُستقبَح". [9] وتبعه علي بن محمد الجرجاني فقال:"التقوى في اللغة: بمعنى الاتقاء، وهو اتخاذ الوقاية. وعند أهلِ الحقيقةِ: هو الاحترازُ بطاعةِ الله عن عقوبتِه، وهو صِيانةُ النفسِ عما يُستقبَح من فعلٍ أو تركٍ، والتقوى في الطاعة يراد بها الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر. وقيل: أن يتقي العبد ما سوى الله تعالى. وقيل: المحافظة على آداب الشريعة، وقيل: مجانبة كلِّ ما يُبعِدُك عن الله تعالى، وقيل: ترك حظوظِ النفسِ ومُباينة النَّهْي، وقيل: ألا ترى في نفسِك شيئا سوى الله، وقيل: ألا ترى نفسَك خيرًا من أحدٍ، وقيل: تَركُ ما دُون الله". [10]

ورحم الله القرطبي حيث قال:"التقوى فيها جماعُ الخيرِ كلِّه، وهي وصيةُ الله في الأولِين والآخِرِين، وهي خيرُ ما يستفيدُه الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له: إنَّ أصحابَك يقولون الشعر؛ وأنت ما حفظ عنك شيء! فقال:"

يريد المرء أن يؤتى مناه ** ويأبَى الله إلا ما أرادا!

يقول المرء فائدتي ومالي ** وتقوى الله أفضل ما استفادا!

وروى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجةٍ صالحة؛ إن أمرَها أطاعَتْه، وإن نظرَ إليها سَرَّتْه، وإن أقسَمَ عليها أبَرَّتْه، وإنْ غابَ عنها نصَحَتْه في نفسِها ومالِه) . [11]

[1] قال ابن منظور:"التقوى: أصلها وقيا؛ لأنها فَعْلَى مِن وَقَيت".لسان العرب 15/110. وسيأتي بيانها.

[2] الجامع لأحكام القرآن 1/162.

[3] لسان العرب 11/114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت