الحمد لله القائل: ? كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ? [آل عمران:110] ، فجعل خيرية هذه الأمة وتميزها بل وقوامها، وكيانها، وخلودها، واستمراريتها منوطًا بقيامها بالحق ، والدعوة إليه، والدفاع عنه، والنشر له.
فلم يرض الله لهذه الأمة- وهي أمة الرسالة الخاتمة- أن تكون صالحة في نفسها فقط، بل لا بد أن تكون صالحة بذاتها، مصلحة لغيرها، والخاتمية تعني توقف النبوات ، وهذا يعني: توقف التصويب من السماء لأي منكر، وخروج وانحراف، لذلك لابد من أن يكون التصويب والقوامة على الحق مستمرًا لأن الشر من لوازم الخير، والمنكر من لوازم المعروف،والتدافع بين الخير والشر والمعروف والمنكر من سنن الله الاجتماعية في الخلق، قال تعالى: ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز? [ الحج:40]
فلا معني لخلود الرسالة الذي يعني استمرار الحق وحراسته والقيام به إذا لم يستمر التصويب وإنتاج النماذج التي تجسده في كل زمان ومكان ، عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذالك أضعف ألإيمان" (1) .
يقول الإمام النووي: (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف ، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر وتقصير في المعروف) (2)
وفي تفسير الحديث يقول القاضي عياض-رحمه الله-: ( الحديث أصل في كيفية التغيير، فيجب على المغير أن يغير بكل وجه أمكنه زواله به ، فالتغيير باليد: أن يكسر آلات الباطل، ويريق الخمر،وينزع الغصب،أو يأمر بذلك، فإن خاف، من التغيير باليد مفسدة أشد غير بالقول ) (3)
وأقول: في هذا الحديث النبوي الشريف، يبين لنا النبي- صلى الله عليه وسلم- درجات
تغيير المنكر فيبدأ بما هو أشد تكليفًا، وهو المنع باليد، ثم إن حدث العجز عنه، كان باللسان
فإن عجز، كان بالقلب.
وسأقتصر في البحث -بعون منه سبحانه- في جزئية من هذا الحديث النبوي الشريف، وهي [تغيير المنكر باليد]
يقول الدكتور"محمود توفيق" (4) : هذا التغيير ليس مقصورًا على طائفة من الناس يكون لها أوعليها دون غيرها، بل هو عام يختلف مناطه ودرجته باختلاف أمور عدة أهمها:
-علاقة من يقوم بالتغيير بمن يقع منه المنكر.
-نوع المنكر المراد تغييره ومناخات وقوعه.
وبيان هذا: أن علاقة المغير بمن وقع منه المنكر، تكون على واحد من خمسة أحوال:
1/أن يكون للمغير ولاية خاصة على ذي المنكر، كولاية الوالد على ولده، والزوج على زوجته .
2/أن يكون للمغير ولاية عامة على ذي المنكر، كولاية السلطان على رعيته وأمته.
3/أن لا يكون لأي من المغير وذي المنكر ولاية عامة أو خاصة، كما بين أفراد الرعية.
4/ أن يكون لذي المنكر ولاية عامة على المغير، كولاية السلطان الواقع في المنكر على
رعيته التي تريد أن تغير منكره.
هذه خمسة أحوال يختلف حكم التغيير باليد باختلافها، وباختلاف المنكر نفسه وظروفه ، على أن التغيير باليد غير محصور في القوة التي هي استخدام السيف، وما شاكله، أو الضرب وما ضارعه، فإن التغيير باليد ذو صور ومراحل عديدة، من ذلك استخدام اليد في إفساد آلات المنكر، أو إذهاب عين المنكر كتحطيم أدوات شرب الخمر أو إراقتها،وتهديم حاناتها إذا لم تكن تصلح إلا لذلك، أو غلق الطرق المؤدية إليها،أو قطع المياه وأدوات ألإنارة عنها، وكذلك إفساد آلات الغناء الماجن، وأدوات تصوير المنكر أو طبعه أو نشره في الناس، وإفساد أماكن بيعه وتوزيعه إذا لم تكن تلك الأماكن صالحة إلا لذلكالخ
كل هذا وكثير مثله يدخل في التغيير باليد، وهو ليس من استخدام السيف المؤدي إلى إراقة دم أو إزهاق روح.
فالحالة الأولى:
وهي أن يكون لمغير ولاية خاصة على ذي المنكر، مثل ولاية الزوج على زوجته، أو الوالد على ولده، أساس الحكم في هذا قوله - صلى الله عليه وسلم-:"كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، ألإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته" (5)