إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أما بعد: [1]
بين يديّ الرسالة:
يجب علي كل إنسان أن يسعى حثيثًا غير متباطئ في طلب الآخرة ، وليكن منها علي حذر وخوف ولا يركن إلي الدنيا ،"وليتذكر أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم ."
أمّا كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد الكل ، ثم إنه قام حتى تورمت قدماه ؟
أمّا كان أبو بكر رضي الله عنه شجي النشيج ، كثير البكاء ؟
أمّا كان في خد عمر رضي الله عنه خطان من آثار الدموع ؟
أمّا كان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في ركعة ؟
أمّا كان عليّ رضي الله عنه يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع ؟ ويقول:"يا دنيا غُري غيري"؟
أمّا كان الحسن البصري يحيا علي قوة القلق ؟
أمّا كان سعيد بن المسيب ملازمًا المسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة ؟
أمّا صام الأسود بن يزيد حتى اخضر وأصفر ؟
أمّا قالت ابنة الربيع بن خثيم له:"مالي أري الناس ينامون وأنت لا تنام ؟ فقال: إن أباك يخاف عذاب البيات"؟
أمّا كان أبو مسلم الخولاني يُعَلِّق سَوْطًا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر ؟
أمّا صام يزيد الرقاشي أربعين سنة ؟ وكان يقول: سبقني العابدون ، وقُطع بي .
أمّا صام منصور بن المعتمر أربعين سنة ؟
أمّا كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف ؟
أمّا كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف ؟
أمّا تعلم أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم: أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ؟
فأحذر من الإخلاد إلي الدنيا ، وترك العمل ، فإنها حالة الكُسَالَي الزَّمْنَي [2] .
يا هذا: إنما خُلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها ، ولتعبرها لا لتعمرها ، فاقتل هواك المايل إليها ، وأقبل نصحي: لا تركن إليها .
إخواني: جدوا فقد سُبقتم ، واستعدوا فقد لُحقتم ، وانظروا بماذا من الهوى علقتم ؟ ولا تغفلوا عما له خُلقتم ، ذهبت الأيام وما أطعتم وكُتبت الآثام وما أصغيتم ، وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم ، أهذا التوبيخ لغيركم ؟؟ أو ما قد سمعتم ؟؟ .
ألا يعتبر المقيم منكم بمن رحل ؟؟ ألا يندم من يعلم عواقب الكسل ؟؟ آهٍ لغافل كلما جد الموت هزل ، ولعاقل كلما صعد العمر نزل .
إخواني: بادروا آجالكم ، وحاذروا آمالكم ، أما لكم عبرة فيما مضي ؟ أما لكم ما هذا الغرور الذي قد أمالكم ؟ ستتركون علي رغم آمالكم .. ما لكم ؟؟ ما لكم ؟؟ .
إخواني: صدقتم الأمل فكذبكم ، وأطعتم الهوى فعذبكم ، أما أنذركم السقم بعد الصحة ؟ والترحة بعد الفرحة ؟ في كل يوم يموت من أشباحكم ما يكفي في نعيّ أرواحكم ، فخذوا حِذركم قبل النوائب ، فقد أتيتم من كل جانب ، وتذكروا سهر أهل النار في النار ، وأحذروا فوت دار الأبرار ، وتخوفوا يوم الفصل بين الفريقين أن تمسكم النار .
أيها الطالب للدنيا وما يجد ، كيف تجد الآخرة وما تطلب ؟؟ ما مضي من الدنيا فحلم ، وما بقي فأمانيّ ، سبعة يظلهم الله في ظله ، منهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخشى الله .. اسمع يا من أجاب عجوزًا علي مزبلة (الدنيا) ويحك: إنها سوداء . أُخيّ: طر بجناح الجد من وكر الكسل ، تابعًا آثار الأحباب تصل .
أخي: أين أنت والطريق ؟؟ سبيلٌ نصب فيه آدم ، وناح لأجله نوح ، ورُميّ في النار إبراهيم الخليل ، وأضُجع للذبح إسماعيل ، وبيع يوسف بدراهم ، وذهبت من البكاء عين يعقوب ، ونُشرَ بالمنشار زكريا ، وذُبح الحصور يحيى ، وضني بالبلاء أيوب ، وزاد علي المقدار بكاء داود ، وتنغص في الملك عيش سليمان ، وهام مع الوحوش عيسي ، وعالج الفقر محمد صلي الله عليهم وسلم . أول قدم علي الطريق بذل الروح ، هذه الجادة فأين السالك ؟؟ هذا قميص يوسف فأين يعقوب ؟؟ هذا طور سينا فأين موسى ؟؟ .