أمين حسن أحمد يس*
لقد كان من قدر الله تعالى أن تسبق الحياة الإنسانية وجودها في الأرض , ذلك أن العلاقات الروحية قد قامت حين تعارفت الأرواح في عالمها العلوي على الحب و الإخاء , و لما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة شرع في بناء مسجده الذي يصنع فيه البشر , ثم أقام المجتمع الإنساني على أساس من الإخاء الروحي القائم على المبادىء , و كانت التعزيزات من مسجده المبارك تصل تباعا لمجتمع الإخاء الروحي تمده و تغذيه بالعناصر الصالحة , فالعلاقات الإنسانية تستمد وجودها من الإنسان نفسه ... ذلك الإنسان الذي قويت فيه الروح , و عندما يجتمه آدميان بروحيهما في الله يبرم بينهما عقد الإخاء و تقوم بذلك علاقة لها حرمتها و أسرارها و رصيدها من الأفكار و المشاعر , و إن تفاوت العلاقات الروحية من حيث القوة و الضعف يأتي بتفاوت مافي العلاقة من .."حب".. , و إن الحب هو الشيء الوحيد الذي لا يدعي ملكيته أحد أو يزعم أنه يتصرف فيه كما يشاء , ذلك أنه مما أختصت به الذات الإلهية نفسها , و أنه لأكرم عند الله و أكرم على الله من أن ينزل لتلعب به أيدي البشر العابثة , فالله سبحانه يعطي كل علاقة روحية على قدر معناها و سموها , و مع ذلك يبقى سرا تحسه القلوب و لا تدرك كنهه العقول .
إن من عجيب أسرار العلاقات الإنسانية أنك لا تجد علاقة تشبه الأخرى , و ما ذاك إلا أن هناك مشاعر و أفكارًا لا تصلح إلا أن يعيشها إنسيين من بني البشر إذا تجاوزتهما لغيرهما فسدت ... فأنت تكون مع زيد على حال و مع عبيد على حالة أخرى , و ليس هذا من قبيل النفاق الإجتماعي و إنما هو جانب من نفسك لا يطلع عليه إلا شخص واحد , و هنا تلمح سر إخاء النبي صلى الله عليه و سلم بين اصحابه أخوين .. أخوين , و لا يظنن ظان أن ذلك يفتت من وحدة المجتمع بل على العكس إنه يعمل على تقويتها , فأنت تجد جزءًا منك عند فلان من الناس و جزء آخر عند علان , و هذا بالطبع ينسحب على غيرك من افراد المجتمع و بهذا تجد أنك لا تستطيع أن تنفصل عن مجتمعك لأنك موزع فيه , ثم إن العلاقة على هذا النحو تعمل على إصلاح الفرد , فالذين يعيشون بجوانب من أنفسهم في علاقاتهم مع الآخرين يعملون على إصلاحه ف ( المؤمن مرآة اخيه ) و هذا يصلح فيك جانب و ذاك يصلح فيك الجانب الآخر , و هكذا تتبدى في المجتمع مظاهر الترابط و القوة و العافية .
إن الناظر لأصحاب المبادىء في الألفية الثالثة التي يعيش اهلها بأدمغتهم أكثر مما يعيشون بأرواحهم , تجد أن الإخاء بينهم قد تحول إلى نوع من التهويم و التوهيم الذي يعمل خارج إطار الزمان و المكان , كأنما أحدهم يرسم لنفسه صورة في خياله غير مرئية ينزلها في الواقع المعاش , ثم إذا نزع و أفاق من غشيته و إسترجع و حوقل و بسمل , ليس لأحدهم وجود ثابت .. أخ الأمس عدو اليوم ... من رأيته قديسًا وجدته إبليسا .. و من حسبت أنه أخ الروح رجع بوجوده المادي الحقيقي إلى صاحبه الحميم"الدرهم"... مجتمع غير موثّق العرى بالرباط السحري المقدس (....) هو إلى ما قيل عنه"مجتمع الكراهية"...
إن الألى واخيتهم ... هم ناصبون لك الفخاخ
إن المحبة الحقيقية ليست إلا لمن نضج و اكتمل و صار رجلا .. يقول النبي الكريم صلى الله عليه و سلم"... و رجلان تحابّا في الله , إجتمعا عليه و تفرقا عليه ..."..
هل المزاجيون أصحاب الغرائز بشرا يصلحون لمجرد الإخاء الإنساني العام فضلا عن الأخوة الروحية القائمة على المبادىء أم هل للمتوحشين القتلة مجالًا في عالم الروح ؟! .. إنهم ليس لهم إلا أن يسجنوا في حقب التاريخ المظلمة