الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،،، فإن وصية الله للأولين والآخرين من عباده؛ هي تقواه سبحانه وتعالى، قال عز وجل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [131] "سورة النساء " وهي أيضًا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: [ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ] رواه الترمذي وأحمد . وعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ:'كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا' رواه مسلم والترمذي وأبوداود وابن ماجه والدارمي وأحمد.
ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها في خطبهم، ومكاتباتهم، ووصاياهم عند الوفاة:
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله:'أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل؛ فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده'.
وأوصى عليٌّ رجلًا قال:'أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لابد لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة'.
وكتب أحد الصالحين إلى أخ له في الله تعالى:'أما بعد: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم من حذرك، وليكثر وجلك، والسلام'.
معنى التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية تقيه منه، وتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه، وسخطه وقاية تقيه من ذلك؛ بفعل طاعته، واجتناب معاصيه.
بعض عبارات سلفنا الصالح في توضيح معنى التقوى:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: [المتقون: الذين يحذرون من الله وعقوبته] .
وقال طلق بن حبيب:'التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله؛ ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله؛ تخاف عقاب الله'.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [102] "سورة آل عمران": [أن يطاع فلايعصى، ويذكر فلاينسى، وأن يشكر فلايكفر] .فاحرص يا أخي الكريم على تقوى الله عز وجل؛ فهو سبحانه أهل أن يخشى، ويجل، ويعظم في صدرك.
بيان الفوائد المترتبة على التقوى:
أولًا:الفوائد المترتبة على التقوى في الدنيا:
1 -التقوى سبب لتيسير أمور الإنسان: قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [4] { "سورة الطلاق". وقال تعالى: } فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [5] وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [6] فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [7] "سورة الليل ".
2 -التقوى سبب لحماية الإنسان من ضرر الشيطان:قال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [201] " سورة الأعراف".
3 -التقوى سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض: قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [96] " سورة الأعراف ".
4 -التقوى سبب في توفيق العبد في الفصل بين الحق والباطل ومعرفة كل منهما: قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [29] { "سورة الأنفال"، وقال تعالى: } يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [28] "سورة الحديد".
5 -التقوى سبب للخروج من المآزق وحصول الرزق والسعة للمتقي من حيث لا يحتسب: قال تعالى:وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [2] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [3] "سورة الطلاق".
6-التقوى سبب لنيل الولاية؛ فأولياء الله هم المتقون: كما قال تعالى: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [34] { "سورة الأنفال"، وقال تعالى:} وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [19] "سورة الجاثية".