الصدر يتحدى أمريكا .. العبارة خاطئة
أحمد فهمي
بدأت الشرارة الأولى بإغلاق الصحيفة ، وبدأت الشرارة الثانية باعتقال - أو إشاعة اعتقال - محمد اليعقوبي ممثل مقتدى الصدر في النجف ، وقبل ذلك وبعده كان تيار الصدر يقضي أوقاته على سطح صفيح ساخن ، خاصة مع قرب موعد نقل السلطة - الشكلي - من قوات الاحتلال الأمريكية إلى حكومة عراقية ومجلس حكم تم انتقاؤهم بعناية ولا يتوقع أن يكون الصدر من بينهم ، وأيضا مع وصول الأخضر الإبراهيمي على رأس وفد من الأمم المتحدة لبحث هذه القضية .. إذن مقتدى الصدر خطط لمواجهة محسوبة مع الأمريكيين ولم ينطلق من ردود أفعال عشوائية .
ماذا يريد الصدر ؟
لم يحظ تيار الصدر برجال بارزين في باقة المعارضة العراقية التي كونتها الإدارة الأمريكية عبر سنوات الحصار لنظام صدام حسين ، ومن ثم لم يلتفت إليه عندما توزعت المناصب على الفائزين بالجائزة الكبرى رغم أن زعيم التيار لم يبد مطالب ضخمة ، فقط كان يمكن استيعابه في مجلس الحكم ، فلماذا أهمله الأمريكيون ، وما الذي يريده الصدر من افتعال الأحداث الأخيرة ؟ .. هذا ما سنحاول الإجابة عليه ..
أولا:
الدافع الرئيس للأحداث هو إثبات الوجود على الطريقة"الزاعقة"التي ابتكرها حسن نصر الله في لبنان ، والتي يلزم لتدشينها في البداية إسالة بعض الدماء ، وذلك في مقابل النهج الأمريكي الواضح لترسيخ إهمال هذا التيار وتهميشه ، والصدريون يسعون إلى إثبات قوتهم عن طريق التظاهرات والاستعراضات العسكرية التي يشارك فيها عناصر من جيش المهدي ، وعن طريق استخدام خطاب حاد اللهجة من مقتدى الصدر يوظف فيه أحداثا خارجية مثل تأييد حماس وحزب الله ونصر الله ، كما أنه أصر دائما على اتباع نهج معارض لإدارة الاحتلال للعراق ، ورفض الاعتراف بمجلس الحكم واعتبر أعضاءه من الخونة ، يقول الناطق الرسمي باسم"مكتب الصدر"في بغداد عباس الربيعي:"الأميركيون وأطراف أخرى يريدون تغييب دور تيار الصدر وعزله عن الوضع السياسي الراهن".
ثانيا:
بالنسبة للأمريكيين فإن مقتدى الصدر لا يعدو كونه مراهقا سياسيا يناطح الكبار دون أن تكون له إمكانيات حقيقية لذلك ، فهو لا يستطيع أن يدخل في مواجهة طويلة الأمد مع أي طرف ، سواء المرجعيات في النجف أو الاحتلال الأمريكي ، وقدراته الحالية تنحصر في تجييش الأتباع المؤيدين للتيار الصدري بصفة عامة ، وتوظيفهم في محاولات استعراض القوة ، ومع أن جيش المهدي الجناح المسلح يمثل عنصرا هاما في ذلك ، ولكن تبقى قدرته محصورة في المشاغبة السياسية العلنية وبعض العمليات الانتقامية والثأرية التي تعزف على وتر تعدد الدوافع وفوضى المصالح داخل العراق ، ويتوقع بعض الرموز الشيعية والمختصين في الشأن العراقي أن تيار الصدر سوف يستأنس إلى حد كبير لو تم استيعابه سياسيا أو مرجعيا ، وقد سبق لبعض ممثلي مقتدى الصدر أن طالبوا سلطات الاحتلال بإسناد منصب وزير الدفاع إلى أحد أتباعه كنوع من التسوية ، والتصعيد الأخير لا يمكن الاتكال عليه بمفرده في توقع مقاومة عسكرية جديدة يتولاها أتباع الصدر ، فهو تيار مكشوف من حيث رموزه وقادته ، ليس له رصيد استراتيجي يمكنه من خوض مواجهة طويلة الأمد مع الأمريكيين ، كما أنه يدرك أن تبني هكذا مقاومة سوف يعود عليه بخسارة كل مكتسباته وتحوله إلى حركة سرية سرعان ما تذوب ، خاصة وأن الأغلبية الشيعية لا تبدو متحمسة لذلك في ظل احتلال يعتبرها للمرة الأولى في العراق أغلبية مطلقة - 60% - ، ولذلك فقد وجه مقتدى الصدر نداءا إلى أتباعه بأن يكفوا عن التظاهر ويلجأوا إلى أساليب"ترويع"الأمريكيين حسب تعبيره . واللافت هنا أنه بينما كان الصدر يوجه أتباعه للاشتباك مع الأمريكيين ، كان بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق يعلن تعيين علي عبد الأمير علاوي الشيعي وزيرا مدنيا للدفاع ، وهو مكسب كبير للشيعة .
ثالثا: